اليوم الأحد 18 نوفمبر 2018 - 10:43 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 25 سبتمبر 2011 - 7:08 مساءً

الرسالة الثالثة:عندما تتحول الكلمات إلى رصاص


إلى رفيقة الدرب حليمة
أعرف أنك لا تجيدين النطق بحروف هذه اللغة و لا تعرفين كيف تركبين كلماتها، لكنك قادرة على فهم دلالات جسدي المنهك أكثر من بصمات أصابعك الناعمة. عندما أخرج عن ذاكرتي تكونين في الموعد. تنظرين إلي بغرابة و بلكنتك التي أحبها تسألينني:
ـ هل تريد مرة أخرى أن ترحل عن الوجود لتشم رائحة الأرض هناك؟
عندما أسمع مثل هذا الكلام، أدخل غرفتي و أغلق بابها الصدئ ثم أضحك حتى يغمى علي. بطني يعشق ملامسة غطاء سريرنا الأملس، خاصة عندما أبدأ في إدخال عنقي الطويل في مخدتك الوردية. أحب أن أغرس رائحة دموعي المالحة في كل الأشياء التي تستعملينها سرا و علانية.
في كل صبيحة، أهوى البكاء و أنا تحت تلك البطانية، لا أسمع سوى حركات يديك و أنت تعدين القهوة. لا أجازف بصوتي، أقطع كل حباله كي لا أعكر صفوة الجلوس، لذة الأكل و نكهة الحليب. أنتظر مغادرتك البيت كي أمزق ملابسي الداخلية و أعض على أوراق كتبي حتى استنشق رائحتها الموحية بصراع غائر.
هل تعلمين أن كلماتك المبهمة تتطابق مع ما يلوج بصدري بل تنسجم مع تنهدي. أتذكر و أنت خارج الغرفة كيف تمررين أناملك فوق رأسي الذي اشتعل شيبا. إنني أراك في صورة المرحومة و هي تنظف ملابسي المطلية ببقع البول النتن . دون أن أتردد، أقول لك كلاما عجيبا لم تسمعه أذناك في بلاد الضباب:
ـ عندما بدأت في تمزيق أوراقي البالية تذكرت محجوبة، جدتي التي طالبتني يوما ما بالتبول في صحن كبير قبل ان تشربه… قالت لي و هي تضحك باكية حتى برزت نواجذها: “هذه هي المعزة يا وليدي”
لم أكن أعرف كيف أن الحب يساوي شرب البول. بالأمس تحولت و على غير عادتي إلى كائن نهاري لا يرى ظلمة الليل الحزينة. بدأت أرى وجوها وقد استولى عليها الحقد و الضغينة. أيادي تتطاول على أرزاق الغير. بدأ القبح يصنع من الأجساد جثثا مترامية على الحواشي. غادرت ذلك المكان لألتقي بك و أقول حقيقة ما:
ـ هناك، الخوف هو سيد المكان، المهيمن، الجبار، هو ذات الإنسان. نفكر بالخوف و نأكل بالخوف، حتى أحلامنا أصبحت خائفة من بطش اللاشعور. كثيرا ما أردت أن أتحول إلى عصفور أو حمار لا يرى و يسمع عنف الآدميين و هم يصرخون من شدة الألم.
في وقت ما، لم أكن أفهم هدوءك و رزانة مواقفك. فهل تعلمين أن لعنة الشرطي ما زالت تطاردني باستمرار. لا أريد أن أنساك و لا أن أتخلى عن ذلك النسيم المنبعث من بين أصابعك و أنت تحاولين إطفاء نار الحسرة و الاغتراب التي تمزق أحشائي. فأنا كبقعة صغيرة من الدم لا تجفف بسهولة، تتسرب بسرعة الضوء إلى كأسي وكأنها سم يسري في شراييني. هناك وهنا، أناس لا يفهمون العلاقات الأبدية، يجهلون نشيد الحرية. اندهش عندما أرى الإغتراب و هو يرفض أن يطلق سراحي.
اليوم، وبعد مرور تلك الساعات النارية، تعاكسني ألفاظك، روحك الإنسانية، أطيافك ووصاياك التي تبشر بموت السجان و إطلاق سراح السجين. لكن ،وأقولها بوضوح:
ـ لو غادر السجان سجينه، لن يتخلى عني ، لقد سكن ضلوعي وتحول إلى جزء مني .
عليك أن تعرفي أن كل الكلمات عندي أمست من رصاص، و حتى الحروف تحولت إلى ذوات مسجونة، قابعة وراء قضبان فولاذية. وبالرغم من كل هذا، سأعود إليك و أنت مستلقية فوق ذلك الكتاب الموزون بالمعاني، تنظرين إلى فضاءات بيتنا الجميل، وتتأملين زمن الغدر عسى أن تخففي عني عذاب العزلة.
المغترب دوما : محمد نبيل
برلين 2006

أوسمة :