اليوم الأحد 18 نوفمبر 2018 - 9:25 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 25 سبتمبر 2011 - 7:06 مساءً

الرسالة الثانية :لا تغضب يا أبي، سأعود إليك، لنتقاسم كلام القلب


إليك، أنت الذي علمتني لغة الضاد،
لقد استفقت من سباتي. قررت أن أحمل جسدك معي أينما لمست قدماي الأرض. لا تنزعج ، فإنني لا ألقي بك إلا في فضاءات تحلم بها، تعشق رائحتها، بل تتخيلها في منامك الخفيف. هنا، لا أرى نعمة النوم العميق. أعشق رائحتك الزكية التي توحي لي بحروف الكلام المفقود. اليوم قررت أن أتكئ على النافدة لأنظر إليك ممددا أمامي. ترى بعينيك، تتكلم بأهدابك التي تتحرك يمينا و شمالا. أريد أن أوقف صداع المترو، نظرات الآخرين ورائحة الموت. أريد مواجهة الطلقات الرصاصية و أخرسها. حتى لا أربك مشاهداتي لك. لقد اشتقت إلى قهوة الصباح الممزوجة بلعابك بعدما تتذوقها قبلي. كنت تخاف على شفتيّ، وتطارد كل ما من شأنه أن يحرق زمني. كنت تعد هذه القهوة وأنت فرح ، تبتسم وترتسم على وجهك الناصع علامات الحب الأبدي. طيفك كان منحوتا على سطح كأسي البلوري. كنت لا أجهل معنى ضحكاتك و هي تشير إلى رفضي للشاي المر .
في هذه الصبيحة الغربية، تأخرت عن موعد اللقاء بك. كنت غارقا في أحلام تقض مضجعي و كأنني لا أرى نورك الساطع. نظرت على يميني، فوجدت يديَّ ممدودتين ، تقدم إليك الكرموس و الورد المبلل بقطرات الندى. أتذكر كيف كنت توقظني و أنا محمول بين يديك الغليظتين. سامحني، إن كنت لا ادري كيف تحس بالنشوة اللا نهائية. فأنت تعرف أنني لا أقدر على آهاتك وصوتك الذي يناديني كل مرة. إنني هنا أقرأ عناوين الجرائد و آيات تذكرني بحكمتك، وقد اخترقت جدار الحب كي أتحدى الولع الطفولي.
بالأمس، قررت أن أقلد مشيتك وحركة يديك بل صمتك الدال. لم أكن إلا آلة بدون محرك وقد فقدت وظيفتها. عجزت عن مواصلة هذا الدور العظيم. وضعت صدري على صورتك و دموعي تنهمر كواد أغرق قميص رفيقة حياتي الجميل. نادتني بالعودة إلى سريري. لم تكن تعلم أنك كثيرا ما حملتني كجثة هامدة مغطاة بصدرك المتسع. اليوم أرغب أن اطرح السؤال عليك: لماذا كنت تنبهني عندما تخيط ثيابي المرقعة، وتقول لي: ـ ضع في فمك المدور قطعة من الخشب أو عوداً يقيك من لعنة الموت ؟
كم كنت جاهلا و هائما، لا أتمحص في معاني إشاراتك. كان علي اليوم أن أقبلك كعادتي، لكن سيلاً جارفاً من الضيق يوقف يديَّ ويخنق أحبال صوتي حتى النهاية. قلت في نفسي، إنك جد قلق و تعاتبني و ربما تحاول أن تنسى حضوري كي لا تدخل في غيبوبتك المعروفة. لا تحزن، إنني أدق أبواب فؤادك.
لقد مر زمن طويل دون أن أسمع أغانيك الرائعة و صوتك الملائكي. إني أحمل في حقيبتي البالية شرائط عشاقك، غيثة، السقاط و فريد و اللائحة طويلة. فهل تتذكرهم ؟ عندما أنصت لأغانيك المحبوبة، يناديني صوت الحق و كأنه ينبعث من داخل صدري.
كم أنا مشتاق إليك، ولسحنات وجهك الذي يذكرني بشيخوختي، بعالم مجهول أتنبأ بفضاءاته الزئبقية. أنت تعرف أنني تركت تلك الغرفة الداكنة، ورميت بصرتي بل قطعت خرقة ولادتي. لم تكن إلا مبتسما، قليل الكلام، صامتا تنظر فقط في لعبة النسيان. كنت مطمئنا على ألمي الذي يصلب عودي. لقد قلت لي ذلك و أنت تودعني بمنزلنا الخالي. أعرف أن وصاياك لي، وحبك لا يحتاج إلى لغة مصففة، فأنت تقول الأشياء عل غير عادة النطق بها. إنك لا ترغب في استنساخ ذاتك. كنت وما زلت تدافع عن فردانيتك.
عندما أراك، أحس برائحة جلدك في ظلمة الليل و في النهار المضيء أيضا. أحاورك من هناك، وأنا أهلوس بل أتحدث لغة الفراعنة ولم لا أعشق كالضاحك الباكي .هل تذكرت اليوم الذي قلت لي فيه:
ـ خد بالك من أول إمرأ ة عرفها الوجود.
آه، لم أكن أتحمل صعقات حكمك. لن أنسى حكاية الوداع عندما وضعت يديك على كتفي المائل و أنت واقف. كنت شامخا كشجرة الصنوبر تهمس في أذني:
ـ يا ولدي، لا تسقط هذا الماء المالح من عينيك الغائرتين. احتفظ به، يوما ما ستغسل به وجهك .
إنصرفت دون أن أفهم. اختزنت كنوزك دون أن أسائلك. مرت السنوات و أصبح ذلك الطفل المدلل يستفيق في داخلي و يناديني بالعودة إلى ذلك التراب اللزج الذي كنت تضعه على قدميك.
لا تقلق با أبي ، فإنني هنا ، بعيدا عن هناك ، حيث يجهضون حق الحياة و يغلقون أبواب الأرض و السماء. هناك ،حيث لا أرى إلا السواد وقد اخترق أيادي كانت بالأمس القريب ناصعة البياض. إنني هنا، ممزق بين كرسيين. الأول كبير و عريض لا يتطابق مع جسدي النحيل، والثاني كرسي يناسبني لكنه مليء بالمسامير. أنت تعرف أني لا أحسن الجلوس عل الكراسي. أعشق رائحة الزرابي المزركشة و المفروشة تحت أخمص أرجل تطير كالحمام. أحلم بالسمن و العسل المرمي في حقول الآخرين. با أبي، الماء مالح و أقولها بصراحة:
ـ نظرات أولئك المحرومين هي التي منعتني من التلذذ برغبة الجلوس.
صحيح، إنني غادرت ذلك المكان، و لكنني ما زلت كمجنون الحب كعادتي . أضحك كما تراني محضونا بين يديك. بارك لي في كل خطواتي، فلا بد لليلنا أن ينجلي. أنا ما زلت أقول بأعلى صوتي المبحوح:
ـ الحزن كافر، الفقر كافر، الاستغلال كافر و الحقد كافر. الحب مؤمن و هو عدو الحرب في كل زمكان .
أبي ، لقد علمتني كيف أنصهر مع المحبين . منذ أيام معدودة أرجعت شريطنا أنا و أنت في قاع الدار الآيلة للسقوط. كنت تشدد على قولك:
ـ “سل الشوكة بلا دم ”
أنت تعرف أنني لست إلا ذلك العاشق لكلمة الحب. أنت والبلدة المسكينة هما اللذان خلقا مني روحك الأخت التي لا تتجزأ.
كل يوم، في ساعات المساء الأخيرة، أفكر في عودتك البهية و كأنك تأتي لي بهدية. كنت أتمدد بالرغم من حجمي الصغير و أخطف الجريدة و الأوراق التي ترمي بها اتجاهي قبل أن تسقط.كثيرا ما أضحكتني و أنا أردد عناوين الأخبار . كنت أتلعثم و لا أعرف كيف أدير مخارج الحروف. كنت عاجزا على تزويد جملك الصعبة. أحب النظر إليك من الأسفل و رأسي منحنٍ على الجريدة. كنت فرحا، لكن سحنات وجهك تريد الحفاظ بها على اتزانك كي لا أخرج عن صوابي. لم أكن متعبا أو قلقا من تهديدك لي بالضرب إذا لم أقرا الآيات القرآنية كما هي مسطرة على الورق. هنا ،كثيرا ما أبدأ في الضحك وأنا أختلس بعض الجولات القصيرة، كي أنعم بهدوئها في هذه المدينة الحمقاء . أقهقه كالمخبول لكنني أؤكد لك، أنني عاقل ،أفعل ذلك عندما أتذكر مطالبتك لي بترديد كلمة الضالين ،ومن كثرة ما رددتها كنت أعتقد أن كل الناس ضالون .أمثالك الشعبية مازالت تنير الكثير من طرقي الشائكة. فعندما أكون مثل طائر حزين، يريد أن يختفي بهدوء في عشه، ألامس حروف جمالك، وأخاطبك بل أردد إسمك مئات المرات. و الآن إذا أردت أن أحضر، فاستحضر كل الأشياء التي جمعتنا، حتى تلك المداعبات التي كنا نتواصل بها بمكان رث كانوا قد سموه الحديقة.كنت أبله،و أعتقد أن الحديقة عبارة عن سياج كبير بداخله أريكة كبيرة من الحديد و مرحاض لا يدخله أحد. هل نسيت وأنت تعلق على حوادث زماننا الشائك قائلا:
ـ ليس كل الناس آدميين.
اليوم ، أنا أتيت إليك لأسقط قناع المسافات و الخطوط النارية التي تفصلنا منذ عقد من الزمن. ليسقط القناع و تكون الضحكة الساخرة شعارنا الدائم. فالأمر صعب و العزلة أصعب. لقد اغتربت هناك و هنا.لا تتردد في إظهار أسنانك، ارفع يديك، تحرك من مكانك السفلي، قل لي إنني موجود. قل لي كلاماً يناسب نشوتي البائسة التي لا تريد الابتعاد عني. لقد تحولت إلى شبح يطارد خطواتي المائلة.
لا تغضب يا أبي، سأعود إليك لنتقاسم كلام القلب. لنتركه ينطق بهواه نيابة عنا. سأقف على المنصة البالية و أقول للجميع:
ـ السلاح و العنف لا يقاومان الكلمة. كم من غزوات مرت، وكم من ذات اغتصبت، لكن صوت الكلمة ظل حيا منذ أن حفر ذلك الإنسان بيديه ورسم صورة لنفسه. ليل الغرباء يضمحل و أنين البعد القاهر يتفتت.
أعرف و أنت تعرف أنه منذ اليوم الذي صرخت فيه بغرفة الولادة و أنا في قميصك، رائحة شعيرات صدرك لا تفارقني ،الشيب الذي أشتعل في رأسك مازالت حية في نفسي كشظايا تزين جسدي و تدفىء روحي الحالمة .
عم أكتب ؟ الكتابة عنك مستحيلة. تلك المنطقة المظلمة لا تندثر، لا تتركني أعبر عن كل الحكاية. إنني أشقى و أنا أسطر حروفي، حتى تتطاير كدخان يتصاعد في السماء ليترك النار التي لا يهدأ لهيبها. سأترك الإلهام يأتي و الصور تتدفق.
إبنك المغترب دوما : محمد نبيل
برلين 2006

أوسمة :