اليوم الأحد 18 نوفمبر 2018 - 9:39 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 25 سبتمبر 2011 - 7:09 مساءً

الرسالة الرابعة:عزيزي حمودة


عزيزي حمودة ،

هذا الصباح، اكتشفت أنه لم يعد لي مكان للاستلقاء على بطني. رأسي يؤلمني و أصابعي تقول لي أشياء كثيرة. اخترت أن يكون لي حيز في هذا العالم المغبون. قررت أن أكاتبك و أقول لك بعضا مما أراه في ظلمة الليل الألمانية.

هل تذكرت اليوم الذي حملت فيه حقيبتي الرمادية. كنت تضحك وأنا أعبر لك عن أحلامي الوردية. رحلت بعيدا عن رائحة الخبز التي كنت تخرجها من فوهة الفُرن “البلدي”. كنت أنت الخباز الذي ينصت إليه أهل الحومة و كأنك أب الجميع. كل الرفاق يأتون إليك من أجل النصيحة. لم تكن بخيلا أو مريضا بلعنة الدرهم كعلال، صاحبنا الذي باع كل شيء حتى نفسه. هل مازلت وفيا للمسابقة التي كنت تنظمها لأحسن كذاب و أنت الذي تكره الكذب و البهتان؟

أتذكر، كان الجو جميلا و كل الوجوه كانت منيرة من شدة انعكاس أشعة النار التي كانت ترتسم على السحنات البريئة. أيادٍ منقوشة بالحناء و حفلات الناس تزين أجواء البلدة. كم كانت تلك الحلوى لذيذة. عندما كنت أراها يسيل لعابي، فأشم فيها رائحة العود المبلل. كنت دائما تحرق الخشب و دموعك تتدلى من عينيك الغائرتين، حسرتك كانت لا تخفي على أحد و أنت تلعن من خرب تلك الغابة و حول أشجارها العاتية إلى حطام ينهبه اللصوص و تجار الأحلام.

أنا لم أنس كما تعتقد. فكذبة رفيقنا بوشعيب الذي فاز بجائزتك الأولى كانت مصنوعة بعناية. لم أكن أصدق أن عقلي قادر على ابتكار تلك الكلمات. عندما كان بوشعيب يحكي كيف كان ينصت للمذياع و إذا بصحافية بورتغالية تدخل معه على الخط وتنبهه بأنه يشوش على موجات الأثير بحركة يديه. لقد كنا قرب السور الآيل للسقوط، نستمتع في حميمية مطلقة بلحظات كان يخرج فيها الخبز من فوهة النار ملتهبا. كنت تلمسه بيديك التي رسمت ملامحها لدغات العقارب.

في تلك الأمسية، لم يكن بوشعيب كعادته بشوشا. كان يصرخ و كأنه فقد شيئا ثمينا. هل مازلت حافظا لألفاظه الساخرة. هل ما زلت تتذكر كيف كان يقول لنا دون أن ينتبه للنساء اللواتي تنظرن من وراء ثقب النوافذ و الأبواب الموصدة:
ـ “ولدي مسخوط الوالدين خرج من المني ديالي و بغا اليوم يعصاني”.
بوشعيب يرفض أن يكون لابنه قرار يجعل منه ذاتا مستقلة. كلمة هذا الأب الملعون لا تسقط ولو كان الثمن حياة إبنه. من فرط الاستغراب قهقهت كثيرا حتى أغمي علي. أعرف أنه كان علي أن أنظر إليك، حتى تعود علامات الحكمة إلى سحنات وجهي.

عزيزي حمودة، عندما أتجول في شوارع برلين، أسترجع شريط الذكريات لأرى، كيف كنا نخترق الفيافي و البساتين من أجل أكل الكرموس تحت ظلمة الليل الهادىء . كم كانت لذة المشي ممزوجة بحديثنا الشيق. كان كل شيء جميلا يطاردنا طيلة بقية الأيام التي كنا نفترق فيها.

هنا ، ليس هناك لا كرموس و لا حتى ذلك الماء المالح الذي كنا نشربه بجوار بائعي الحلزونات المسلوقة . آه، كم كنت رائعا عندما تبدأ في سرد حبك الجنوني لموسيقي بوب مارلي و البيتلز . كنت عاشقا ليوكو و جون لينان و غيرهم. ومثلما يحصل في الأفلام التاريخية التراجيدية، وبحركة يديك الغليظتين، كنت هادئا، تتكلم بدون أن ترى في عيني علامات الشوق. لقد صرت بطلا و رمزا لكل محبي الحياة. تحولت إلى مرجع شعبي بامتياز. لن أنسى أيامك بجوار البحيرات و الأنهار عندما كنت تصيد السمك. هنا، أنت تعرف و الكل يعرف ،أن السمك في هذه البلاد نحيف، خائف، لا يستطيع النظر إليك و لو في نظرة أخيرة، قبل أن تصطاده و تجعله أكلة لك. لقد ذهب السمك، المشوي، و جلسات الشاي المنعنع . ذهب من يدفىء أسماعي ويقدم لي دروس الحكمة. ذهب عشاق الليل و أهل الهوى. ذهبوا كلهم و لم تبق سوى صورهم ماثلة أمامي، تحاول أن تحاورني كل يوم، لعلها تجد في نفسي ضالتها الأخيرة.

المغترب دوما : محمد نبيل
برلين 2006

أوسمة :