اليوم الأحد 18 نوفمبر 2018 - 9:48 صباحًا
أخر تحديث : الأحد 25 سبتمبر 2011 - 7:13 مساءً

الرسالة السادسة:الإنسان الغريب في وطنه قد يجد ضالته الكبرى


العزيزة نورة،

لا أخفي عليك أن شوارع ألمانيا تسحرني حتى أسقط في حبال عشقها ليلا و نهارا دون ملل، لكنها تستفزني… فاليوم الذي أقضيه في البيت دون أن أستنشق هواء مدينة برلين الرطب، أحس فيه وكأني فقدت حريتي، لذلك أقرر عادة التخلص من سكون الحي الذي أقطنه وعاداته الخبيثة وانزل إلى الساحة العمومية.

وبمجرد أن أتجاوز عتبة الباب، أرى قبالتي شارع غوته ثم أقف لحظات أمام تلك اللوحة الجميلة التي كتب عليها اسم هذا الشاعر العظيم. وما أن أقطع بعض الأمتار المعدودة حتى أجد نفسي على رصيف شارع الفيلسوف كنط. وبين الطريق التي تربط صاحب العقل الخالص وشاعر ألمانيا الخالد، يمر نسيم شارع الشاعر شيلر … هذا فصل من فصول أسفاري اليومية التي تسمح لي بمداعبة أسماء الشوارع البرلينية الحرة و الطليقة، وكلها تؤكد لي أن ألمانيا حية وذاكرة الجرمان قوية، حتى أنهم لم يسقط من بالهم صاحب الرأسمال والإيديولوجية الألمانية كال ماركس و نيتشه وليبنتز وروزا لوكسمبورغ واللائحة طويلة. لقد فهمت كيف أن الإيديولوجيات والفوضى الإنسانية مآلها السقوط، لكن الفكر الحقيقي يظل حيا لا يموت.

كل يوم، وكل ساعة أحس وكأن شوارع برلين تستنطق عابريها، وتتحدث إليهم بلغة ذاكرتهم العريقة حتى لا يجرفهم طوفان النسيان. أما أنا، ذلك المهاجر المغبون الذي يقاوم لعنة الاغتراب، فلم أتخلص بعد من بؤس المقارنات والتفكير في وطن قيل أنه للجميع.

بالأمس كنت بشارع الفيلسوف ليبنتز، فاكتشفت وجها آخر للألمان. فالحكاية وما فيها تقول أن العديد من أصحاب المحلات التجارية يعرضون مبيعاتهم قرب الأرصفة، تتنزه أمام العابرين الألمان بدون حسيب و لا رقيب. والذي يعبر هذا الشارع يرى بأم عينيه، كيف أن المئات من الكتب و المجوهرات و العديد من المواد الثمينة تعرض أمام العوام دون يتربص بها حارس أو شرطي. لا أنكر أن هذا المشهد الرومانسي الذي يتكرر أمامي يوميا يضحكني، لأنني لم أتعود أن أرى مثل هذه الإنسانية الجديدة هناك، في بلاد اللصوص، الذين اختلسوا كل شيء حتى رموز الوطن و أسمائه. قلت لنفسي:
ـ لو كانت هذه المحلات بتلك البلدة لأعلن أصحابها الإفلاس منذ عقد من الزمن.

وبما أنني لست من هواة الملاحظات المجانية و الانبهار الأعمى، سألت صديقتي الألمانية عن سر هذه الثقة الزائدة عن الحد و خاصة أن أهل مكة أدرى بشعابها. أجابتني صديقتي بلطفها المعتاد:
ـ لقد تعلمنا منذ الصغر خصلة أساسية، تقول بعدم مس ممتلكات الآخرين…!

ابتسمت، ثم هاجمتني لعنة الضحك من حيث لا أدري، لأنني بكل بساطة بدأت أفكر في غرائب تلك البلاد، حيث يتعلم الفرد منذ نعومة أظفاره كيف يمارس فن رياضة الأصابع
…!

الشوارع الألمانية تدفع الناظر مثلي إلى تقليب المواجع و المراجع، وإعادة شريط قريتي الحزينة التي لا تتوفر سوى على أزقة ضيقة جدا أطلق عليها وبكل جرأة أسماء نكرة لا معنى لها ، كتبت على مداخلها النتنة بالطباشير أو بالمداد أو بدماء المناضلين والشهداء. وهذا أصبح مفهوما في وطن يتنكر لمفكريه ومثقفيه و لذاكرته الموشومة حيث نجد شارع الغابون و مدغشقر والموزمبيق وهلم جرا.

إن الإنسان الغريب في وطنه قد يجد ضالته الكبرى أو يعثر على ذاته في شوارع من النوع البرليني ـ نسبة إلى برلين ـ ، لأنها توقظه من سباته الدوغمائي وتقول له بصوت مرتفع:
ـ استفق حتى تشاهد الفكر الحي الذي لا يفنى و تتأمل تجارب الشعوب التي لا تركع كي نحافظ على ذاكرتها. إنك هنا، بين أحضان شعب جرماني استطاع بناء بلده على أنقاض الحرب القذرة، وواجه عداء كل العالم، وقال كلمته حتى أصبحت شوارعه تنطق بالحقيقة.

من المغترب دوما : محمد نبيل

برلين 2006

العزيزة نورة،

لا أخفي عليك أن شوارع ألمانيا تسحرني حتى أسقط في حبال عشقها ليلا و نهارا دون ملل، لكنها تستفزني… فاليوم الذي أقضيه في البيت دون أن أستنشق هواء مدينة برلين الرطب، أحس فيه وكأني فقدت حريتي، لذلك أقرر عادة التخلص من سكون الحي الذي أقطنه وعاداته الخبيثة وانزل إلى الساحة العمومية.

وبمجرد أن أتجاوز عتبة الباب، أرى قبالتي شارع غوته ثم أقف لحظات أمام تلك اللوحة الجميلة التي كتب عليها اسم هذا الشاعر العظيم. وما أن أقطع بعض الأمتار المعدودة حتى أجد نفسي على رصيف شارع الفيلسوف كنط. وبين الطريق التي تربط صاحب العقل الخالص وشاعر ألمانيا الخالد، يمر نسيم شارع الشاعر شيلر … هذا فصل من فصول أسفاري اليومية التي تسمح لي بمداعبة أسماء الشوارع البرلينية الحرة و الطليقة، وكلها تؤكد لي أن ألمانيا حية وذاكرة الجرمان قوية، حتى أنهم لم يسقط من بالهم صاحب الرأسمال والإيديولوجية الألمانية كال ماركس و نيتشه وليبنتز وروزا لوكسمبورغ واللائحة طويلة. لقد فهمت كيف أن الإيديولوجيات والفوضى الإنسانية مآلها السقوط، لكن الفكر الحقيقي يظل حيا لا يموت.

كل يوم، وكل ساعة أحس وكأن شوارع برلين تستنطق عابريها، وتتحدث إليهم بلغة ذاكرتهم العريقة حتى لا يجرفهم طوفان النسيان. أما أنا، ذلك المهاجر المغبون الذي يقاوم لعنة الاغتراب، فلم أتخلص بعد من بؤس المقارنات والتفكير في وطن قيل أنه للجميع.

بالأمس كنت بشارع الفيلسوف ليبنتز، فاكتشفت وجها آخر للألمان. فالحكاية وما فيها تقول أن العديد من أصحاب المحلات التجارية يعرضون مبيعاتهم قرب الأرصفة، تتنزه أمام العابرين الألمان بدون حسيب و لا رقيب. والذي يعبر هذا الشارع يرى بأم عينيه، كيف أن المئات من الكتب و المجوهرات و العديد من المواد الثمينة تعرض أمام العوام دون يتربص بها حارس أو شرطي. لا أنكر أن هذا المشهد الرومانسي الذي يتكرر أمامي يوميا يضحكني، لأنني لم أتعود أن أرى مثل هذه الإنسانية الجديدة هناك، في بلاد اللصوص، الذين اختلسوا كل شيء حتى رموز الوطن و أسمائه. قلت لنفسي:
ـ لو كانت هذه المحلات بتلك البلدة لأعلن أصحابها الإفلاس منذ عقد من الزمن.

وبما أنني لست من هواة الملاحظات المجانية و الانبهار الأعمى، سألت صديقتي الألمانية عن سر هذه الثقة الزائدة عن الحد و خاصة أن أهل مكة أدرى بشعابها. أجابتني صديقتي بلطفها المعتاد:
ـ لقد تعلمنا منذ الصغر خصلة أساسية، تقول بعدم مس ممتلكات الآخرين…!

ابتسمت، ثم هاجمتني لعنة الضحك من حيث لا أدري، لأنني بكل بساطة بدأت أفكر في غرائب تلك البلاد، حيث يتعلم الفرد منذ نعومة أظفاره كيف يمارس فن رياضة الأصابع
…!

الشوارع الألمانية تدفع الناظر مثلي إلى تقليب المواجع و المراجع، وإعادة شريط قريتي الحزينة التي لا تتوفر سوى على أزقة ضيقة جدا أطلق عليها وبكل جرأة أسماء نكرة لا معنى لها ، كتبت على مداخلها النتنة بالطباشير أو بالمداد أو بدماء المناضلين والشهداء. وهذا أصبح مفهوما في وطن يتنكر لمفكريه ومثقفيه و لذاكرته الموشومة حيث نجد شارع الغابون و مدغشقر والموزمبيق وهلم جرا.

إن الإنسان الغريب في وطنه قد يجد ضالته الكبرى أو يعثر على ذاته في شوارع من النوع البرليني ـ نسبة إلى برلين ـ ، لأنها توقظه من سباته الدوغمائي وتقول له بصوت مرتفع:
ـ استفق حتى تشاهد الفكر الحي الذي لا يفنى و تتأمل تجارب الشعوب التي لا تركع كي نحافظ على ذاكرتها. إنك هنا، بين أحضان شعب جرماني استطاع بناء بلده على أنقاض الحرب القذرة، وواجه عداء كل العالم، وقال كلمته حتى أصبحت شوارعه تنطق بالحقيقة.

من المغترب دوما : محمد نبيل

برلين 2006

أوسمة :