محمد لعرج ل”أصداء الريف”:الملكية المغربية لا تقوم على منهج المقاربة مع ملكيات أخرى وخاصة تلك التي تسود ولا تحكم، بل يتم استحضار البعد الخاص لهذه الملكية التي ترتكز في وجودها على مشروعيات متعددة تاريخية ودينية

0


منذ خطاب 9 مارس، والذي ثبت فيه الملك المحاور الكبرى للإصلاح الدستوري، انطلقت النقاشات، وقدم الفاعلون على مختلف مشاربهم، مذكراتهم المتضمنة لتصوراتهم حول الوثيقة الدستورية الحالية، وعرفت عملية التواصل بين الفاعلين حول النص الدستوري، تحولا عميقا، من حيث طريقة إعداد الوثيقة الدستورية في النظام السياسي المغربي، وقادت بشكل عميق إلى انقلاب كبير على مستوى مضامين هذه الوثيقة، التي أعلن الملك في خطابه ليوم 17 يونيو 2011، القواعد والخطوط والمضامين الكبرى لنص هذه الوثيقة التي ستعرض للاستفتاء يوم فاتح يوليوز 2011.

انطلاقا من هذه المعطيات، وكذلك نص مشروع الوثيقة الدستورية لعام 2011، ومن أجل توضيح ما جاء في مسودة الوثيقة الدستورية التي قدمها الملك في خطابه الأخير نستضيف في هذا الحوار الأستاذ محمد لعرج، أستاذ التعليم العالي ومنسق ماستر قانون المنازعات العمومية بكلية الحقوق بفاس للمزيد من مناشة ما جاءت به مسودة الدستور الجديد.

أجرى الحوار/ محجوب بنسعلي

هناك نقاش كبير حاليا حول مسودة الدستور الجديد، فمجموعة من الأطراف تعتبره دستورا ممنوحا ولم يراع الديمقراطية التشاركية في صياغته، حيث يرى هذا الطرف أن لجنة تعديل الدستور غير قانونية وبالتالي فالدستور يعتبر ممنوحا لأنه لم يراعي المقاربة التشاركية في إعداد الوثيقة الدستورية ، مارأيك في ذلك؟

جوابا على سؤالكم، بداية لابد من التذكير أن وضع الدستور ليس بالمسألة السهلة والبسيطة كما يعتقد البعض، فهو ليس بالعمل العادي أو العرضي بل هو عمل مسؤول، تفرضه شروط موضوعية وتتحكم فيه آليات محددة لأننا أمام وثيقة تتضمن الإطار الأساسي لممارسة السلطة وضمان احترام وتطبيق القواعد المنظمة للتوازنات العامة داخل المجتمع والمقاربة التشاركية في صناعة مشروع الدستور الحالي واضحة، من خلال عرض الفاعلين لتصوراتهم أمام لجنة مراجعة الدستور، بل من المؤشرات الكبرى التي يمكن المحاججة بها في هذا السياق، يتجلى في تصريحات وردود فعل الفاعلين، التي تلت خطاب الملك الذي أعلن فيه عن محاور لمشروع الدستور، حيث معظم تصريحات الفاعلين تسجل ارتياحا، نتيجة أخذ مشروع الدستور الحالي، لمقترحاتها بحوالي %80.

وبالتالي هل نحن أمام دستور ممنوح أم دستور متوافق عليه؟

يمكنني القول أن الدستور يكون ممنوحا إذا انفرد الحاكم بصياغته، ووضعه بإرادته كسلطة تأسيسية أصلية وحسب رغبته دون أية مشاركة شعبية. وجوابا على هذا التساؤل فإن دستور المملكة المغربية لم يكن يوما دستورا ممنوحا منذ أول دستور بعد الاستقلال ألا وهو دستور 1962، لكن المهم ليس هو اتباع الطرق المعتمدة في وضع الدساتير، كما تقدمها النظريات الدستورية (الدستور الممنوح، الجمعية التأسيسية…) وما إلى ذلك من الطرق، فالدساتير المعاصرة تحتكم أثناء صياغة وتنفيذ أحكامها تحتكم إلى قاعدة كبرى، وهي الشعب، وفي اعتقادي أن هذه القاعدة تم احترامها حاليا في المغرب، مع مسودة مشروع الدستور الحالي، من خلال الاستفتاء، الذي يجعل الشعب، يعبر عن مواقف من الاختيارات الدستورية المتضمنة في مشروع الدستور.

وبخصوص الدستور المقبل ومادام أن المغاربة سيقولون كلمتهم في المشروع الذي سيعرض عليهم بعد أن تحدده اللجنة المكلفة بصياغته والتي قامت باستطلاع موقف الأحزاب السياسية والمنظمات السياسية وفعالية المجتمع المدني، عن طريق الاستفتاء علما أن الاستفتاء، يعد اصطلاحيا، إبداء رأي الشعب والدلو بدلوه بخصوص موضوع معين، ويمنح الاستفتاء الدستور سلطة أكثر شرعنة، وهو يأتي كتزكية عند المصادقة على مشاريع دستورية متنوعة، كما أن من مزايا الاستفتاء الدستوري خلق تقليد سياسي، شعبي من شأنه أن يساهم في إشراك الشعب في تسطير وتقعيد المجال السياسي. وبالتالي نحن أمام دستور يحترم الإجراءات في النظم الديمقراطية التي تتركز على آليات الاستفتاء الشعبي.

بالحديث عن سقف التعديلات التي تضمنتها مسودة الدستور الجديد، هل يمكن القول أننا سندخل عهد الملكية البرلمانية بالمغرب؟

قد تكون هنالك إمكانية لقيام علاقة بين السلطات قوامها التوازن، بالرغم من خصوصية هذا النظام، وذلك لأنه ليس بالضرورة أن يكون هناك تلازم بين مفهوم التوازن وتقليص سلطات المؤسسة الملكية، لأن لهذا الأخير سلطات تجعل منه مراقبا للنسق السياسي بأكمله.

ومن هنا وباستحضار الشرعية التاريخية والدينية للمؤسسة الملكية الذي هو المجال الأرحب لفهم عمل النظام السياسي بعيدا عن الأنماط الدستورية الغربية، بأنه ليس هناك ما يمنع من وجود وزير أول بصلاحيات واسعة وذلك بالاستناد إلى مفهوم وزارة التفويض الذي يستوزر فيه الإمام من يفوض له تدبير الأمور برأيه وإمضائها على اجتهاده.

لذا يمكن القول أن الإشكالية تكمن في إعادة تعريف مصطلح الحكم أي أن الموضوع ليس في أن يحكم الملك أو لا يحكم ولكن في طبيعة الحكم الذي يمارس وطبيعة مجالات حكمه وفي كيفية ممارسة هذا الحكم، هي أي أن يصبح الملك رمزا للسيادة وحاضرا على مستوى الحكم من دون أن يكون مسؤولا ومحاسبا لأن من يساءل هو الوزير الأول وحكومته المنبثقة عن الأغلبية البرلمانية، هذه الحكومة التي ينبغي أن تمنح وسائل الحكم.

لابد من تحديد المفاهيم أولا بخصوص هذا السؤال، الملكية البرلمانية مرتبطة ارتباطا وثيقا بتقوية المؤسسة البرلمانية، فالنظام البرلماني في الأنظمة الغربية وخاصة في إنجلترا تطور من ملكية مطلقة إلى ملكية مقيدة إلى برلمانية ثنائية (تلجيم السلطة الملكية مقابل توسيع نطاق السلطة الحكومية والبرلمانية) ثم البرلمانية الأحادية (أي تقليص السلطة الملكية ومسؤولية الحكومة أمام البرلمان). وفقا لهذا التدرج، فالملكية البرلمانية هي عبارة عن مسلسل، يبدأ فيه الملك بالانسحاب تدريجيا من المجالات الدستورية الكبرى، بمعنى يتم تقييد سلطاته على مراحل، حتى يأخذ النظام السياسي شكل الملكية البرلمانية، وانطلاقا من هذه القاعدة، يبدو أن مشروع الدستور الحالي يؤسس للملكية البرلمانية، وهذا واضح بالنظر إلى المجالات الدستورية المحصورة والتي سيتدخل فيها الملك حاليا أي مع مشروع دستور 2011، مقارنة بدستور 1996 والدساتير السابقة عليه.

وبخصوص إمكانية تواجد الملكية البرلمانية في الهندسة الدستورية المقبلة أقول أن اشتغال النظام السياسي المغربي يتم من خلال ثنائية تمزج بين البعد الدستوري الذي يبين العلاقة بين مختلف المؤسسات الدستورية التي تم تضمينها في إطار الدستور مضافا إليه بعد آخر لا يقل أهمية عن الأول ويتجلى بالأساس في حضور العامل التقليدي والذي تم تضمين بعض مظاهره في متن الوثيقة الدستورية ذاتها، وبدوره يضفي هذا العامل خصوصية كان لها انعكاس على الحياة السياسية المغربية منذ أول دستور عرفه المغرب سنة 1962 هذه الخصوصية، لا يمكن تجاهلها في تحليل النظام السياسي المغربي، وبعبارة أخرى يمكن القول أن كل نظام سياسي يرتكز على عدة معطيات قد لا تتوفر في أي نظام آخر إذن والحالة هذه فإن وضع النظام السياسي تحت المجهر من أجل تحليله يتطلب بالتأكيد البحث عن النقاط التي تعطي للمغرب بدوره صورة مغايرة عما هو مألوف في النظم الملكية سواء في أوروبا أم في الدول العربية، فهناك خصوصية تصبغ النظام السياسي المغربي وهذه الخصوصية ليست من باب التبرير التحليلي بل هي واقع لا يمكن لأي باحث أن يتجاهله وذلك لأن هذه الخصوصية كان لها ومازال أثرا واضحا ومحسوسا خاصة في مسألة العلاقة بين السلط، وتختزل هذه الخصوصية بالأساس في المكانة المركزية للمؤسسة الملكية التي تعتبر “العمود الفقري” الذي يستند عليه النظام السياسي، من جانب آخر، إذا كانت مسألة التوازن المؤسساتي بمفهومه الكلاسيكي قد دخلت إلى متحف التاريخ الدستوري، فإن معظم النظم الديمقراطية وخاصة تلك التي تتبع النموذج البرلماني أضحت تعتمد وبشكل رئيسي على مسألة التوازن السياسي بين أطراف اللعبة السياسية داخل الدولة وذلك لصعوبة تحقيق التوازن بين المؤسسات الدستورية لعوامل عديدة.

فمسألة الخصوصية والحديث عنها ليس أمرا تبريريا بقدر ما هو واقع وله تأثير واضح على العلاقة بين السلط، بل إن هذه العلاقة تم تنظيمها على أساس هذه الخصوصية، مع ملاحظة أن هذه الخصوصية بدأت تفقد بعض من قوة حمولتها مع دستور 2011 والمتمثلة في بداية تحول في الفكرة الدستورية التي بني عليها النظام السياسي المغربي منذ دستور 1962، ففكرة تمركز كل السلطات في يد الملك، بدأت تذوب تدريجيا، مما يفتح الباب أمام بروز، تعددية الفاعلين الكبار بشكل حقيقي. وبصريح النص الدستوري، فبخلاف الحياة الدستورية التي أفرزها دستور 1996 والدساتير السابقة عليه، والتي كرست هيمنة الملك، فالهندسة الدستورية التي يقدمها مشروع الدستور الحالي، سيترتب عنها في حالة استثمار الفاعلين الآخرين خاصة البرلمان والحكومة، للإمكانيات التي يقدمها لهم مشروع الدستور الحالي.

لذا فمن الصعب في الوقت الراهن أو في المنظور القريب على الأقل الحديث عن ملكية تسود ولا تحكم، لأنه لا يمكن بأية حال من الأحوال أن تمحي من ذاكرة المغاربة ممارسة استمرت لقرون عديدة كان الملك ولا يزال فيها لاعبا رئيسيا داخل النسق السياسي.

ومن هنا يظهر أن الملكية المغربية لا تقوم على منهج المقاربة مع ملكيات أخرى وخاصة تلك التي تسود ولا تحكم، بل يتم استحضار البعد الخاص لهذه الملكية التي ترتكز في وجودها على مشروعيات متعددة تاريخية ودينية. وإذا كنا نستوعب جيدا الخصوصية المغربية إلا أنه وفي ذات الوقت يمكن التقرير بإمكانية التأسيس لعلاقات مغايرة لما هو الحال عليه الآن وبخاصة تلك العلاقة التي تربط الملك بالحكومة، وذلك في إطار يكفل نوعا من التوازن والاستقلالية إلى حد ما لهذه الأخيرة، وذلك في ذات الوقت الذي تحتفظ فيه المؤسسة الملكية بدورها ومكانتها في إطار النسق السياسي.

هل يمكننا القول أننا أمام مراجعة دستورية عميقة تمس الهندسة الدستورية؟

يمكن الجزم بشكل قطعي على أن المراجعة الدستورية الحالية، اخترقت الهندسة الدستورية لدستور 1996 كلها، بل أحيانا تجاوزت الاختراق، إلى الابتكار، وهذا أمر يمكن قياسه من خلال الهندسة الدستورية الحالية، بإضافتها، محاور ومجالات جديدة، مثل الحكامة والآليات المرتبطة بالمحاسبة.

تهدف الإصلاحات الدستورية إلى إحداث نوع من التغيير في إطار المنظومة الدستورية التي على أساسها يبنى أي نظام سياسي وتبقى تلك التعديلات التي تمس العلاقة بين السلطات وكذلك البعد الحقوقي أحد أهم الإصلاحات، فمن خلالها يمكن قياس مدى تأثيرها على العلاقة التي تربط بين مختلف السلطات، بعضها ببعض، ومن هنا يطرح التساؤل حول الإصلاحات الدستورية التي سيشهدها المغرب وانعكاساتها سواء على المستوى الدستوري من خلال العلاقات بين السلطات والتساؤل عن انعكاسات هذه المراجعة على المستوى السياسي، وذلك من خلال معرفة ما إذا كانت هذه الإصلاحات قد تساهم في خلق أرضية لتحقيق التوازن بين الفرقاء السياسيين.

لذا عند الحديث عن المسألة الدستورية في النظام السياسي المغربي تطرح في الواقع عدة تساؤلات خاصة في مسألة التحديد الاصطلاحي، فعندما نتحدث عن تعديل دستوري. فهل الأمر يتعلق هنا بالإصلاح بمعناه الضيق؟ وهل يتعلق الأمر بإحلال دستور جديد محل آخر؟

إن التحديد الاصطلاحي في اعتقادي مهم للغاية من أجل الفهم الجيد ولإدراك الأمور بشكلها الصحيح خاصة في المجالين الدستوري والسياسي، لذا فإن الحديث عن إصلاح دستوري أو تعديله أو مراجعته، جميع هذه المصطلحات تفيد معنى واحد، ينبغي ضبطها في إطار دولة تأخذ بدستور جامد، لأن جميع التساؤلات لا تطرح في الدول التي تأخذ بالدساتير المرنة والتي يمكن تغييرها بطريقة سهلة فقط بواسطة التصويت على قانون عادي يعتبر مقتضى من مقتضيات الدستور، وبناء عليه فحينما نقول نغير دستورا ونعدله بكل بساطة المقتضى أو المعنى هو أن نغير فصلا من فصول الدستور أو نحذف فصلا ونعوضه بفصل آخر.

وهل تضمنت الوثيقة الدستورية مقتضيات تتضمن حكومة منبثقة من الانتخابات؟

تكتمل حلقة التنافس السياسي بقيام علاقة بين النتائج الانتخابية وتشكيل الحكومة، التي تسمح بتبادل الأدوار بين الأغلبية والمعارضة، انطلاقا من صناديق الاقتراع، لذا في اعتقادي أنه من الواجب أن يراعى في تشكيل الحكومة مسألة النتائج الانتخابية لأن هذا الأمر سيؤسس لثقافة سياسية جديدة في وسط الهيئة الناخبة التي ستعقد بأهمية صوتها الانتخابي. ويبدو أن مشروع الوثيقة الدستورية قد تضمن هذا الإجراء من خلال التنصيص في الفصل 47 من مشروع الدستور على أن “يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساسها”.

من هنا إذا كانت عملية اختيار الوزير الأول وتعيينه أمر يدخل في المجال الملكي بمقتضى الدستور، فإنه يبقى من المفيد التنصيص دستوريا عليه، إذ لابد من الربط دستوريا بين تعيين الوزير الأول والحكومة وبين النتائج الانتخابية وبالتالي إسناد الحكومة إلى الأحزاب السياسية المتنافسة على برامج، ولابد في هذا الإطار التأكيد على أن إقامة العلاقة بين النتائج الانتخابية وتشكيل الحكومة يرتبط بشكل أساسي برؤية الأحزاب السياسية ونضج تعاملها مع النتائج الانتخابية، حيث لا تكون هذه العلاقة أوتوماتيكية إلا إذا كان الحزب قادرا على التحكم في نوابه وأغلبيته ويتوفر على حد أدنى من المقاعد البرلمانية تضمن له الاضطلاع بمهمة التسيير الحكومي بقدر من الاستقرار. كما أن العلاقة بين النتائج الانتخابية وتشكيل الحكومة تؤثر بشكل مباشر على ثقافة وخطاب الأحزاب السياسية، إذ تحد من ثنائية الخطاب وتساهم في البرامج السياسية لحد أدنى من الواقعية.

وماذا عن الأحزاب السياسية في مسودة الدستور؟

لابد من الإشارة أن قراءة الفصل الثالث من دستور 1996، نجده قد أفرغ المسألة التأطيرية من محتواها الحزبي والتأطيري بعد أن جعل التنظيم يهم الجماعات المحلية والغرف المهنية، فالمشرع الدستوري قام منذ دستور 1970 إلى تعويم وظيفة الحزب في النسق السياسي، وبذلك أصبحت الأحزاب بجانب هيآت أخرى النقابات والجماعات المحلية والغرف كلها تساهم في تنظيم وتأطير المواطنين، مما يعني وضع قيدين على الأحزاب الأول يتجلى في كونها تساهم إلى جانب تلك الإطارات في التنظيم والتمثيل، والثاني عدم الإشارة إلى إمكانية المشاركة في الحكم وممارسة السلطة وسعيها لتطبيق برامجها.

لذا من المرتكزات الهامة التي سيقبل عليها التعديل الدستوري المرتقب تعزيز الآليات الدستورية الخاصة بالأحزاب السياسية بعد أن أبانت الانتخابات التشريعية لعام 2007 عن تخلي الأحزاب السياسية عن القيام بأدوارها وتحولت إلى كائنات انتخابية.

لذا فإن تقوية دور الأحزاب في الدستور الجديد يعني الانتقال من مجرد قنوات التأطير إلى وجود ممارسة سياسية للأحزاب، تطمح من خلال ممارستها إلى الحصول على السلطة بمعنى آخر أن الحزب السياسي هو تنظيم يسعى إلى تأطير المواطنين سياسيا ويهدف إلى تطبيق برنامجه السياسي من خلال ممارسة السلطة السياسية. هذه الأهداف يمكن تحقيقها مستقبلا، بالنظر إلى الإجراءات الجديدة التي تضمنتها الوثيقة الدستورية الحالية، من ت ضمين الفصل السابع (7) من المشروع تدابير تعزز مكانة ا لأحزاب في الدستور، وكذا الارتقاء بتنظيمها بمجرد قانون عادي في دستور 1996 إلى قانون تنظيمي في مشروع الوثيقة الحالية، حيث يبقى أهم مقتضى تضمنه مشروع الدستور (2011) هو كون الأحزاب ستصبح لأول مرة بصريح النص الدستوري، تشارك في ممارسة السلطة (الفصل 7) من المشروع، وبالتالي من الممكن أن نلاحظ لأول مرة ميلاد علاقة دستورية بين الأحزاب والانتخابات.

هناك من إعتبر أن مسودة الدستور الجديد ستمكن من إفراز برلمان قوي قادر على لعب دوره الرئيسي في مراقبة عمل الحكومة، ما رأيكم؟

أثارت التجربة الثنائية البرلمانية العديد من الإشكالات والمناقشات السياسية والدستورية، فالمتتبع لنشاط المؤسسة التشريعية، سيلاحظ بأن ما منح للغرفة الثانية من صلاحيات قد جعل منها برلمانا جديدا، فالصلاحيات الواسعة المسنودة للغرفة الثانية تؤدي إلى القول بأننا أمام برلمانيين برأسين، وليس أمام برلمان واحد فالثنائية الحالية ليس من شانها أن تحقق كل ما هو منتظر منها، فهي بالأساس ثنائية مغلقة لكونها تفرق أكثر مما تجمع، كما أن منح الغرفة الثانية سلطات تقديرية واسعة على حساب مجلس النواب قد أدى إلى إضعاف المؤسسة التشريعية.

لذا المرتقب من الإصلاحات الدستورية تقوية مؤسسة مجلس النواب بمنحه صلاحيات واسعة على مستوى التشريع والمراقبة مع إيجاد في نفس الوقت الصيغ التي تضمن تنسيقا أكبر بين المجلسين (مجلس النواب ومجلس المستشارين). في هذا الإطار، يمكن الإشارة مثلا، إلى بعض التدابير التي تضمنها مشروع الدستور الحالي، لضمان تنسيق أكبر بين المجلس، مثل ما ورد في الفصل 68 من مشروع الدستور من إمكانية عقد البرلمان بمجلسيه جلسات مشتركة تهم عدة مجالات منها: الاستماع إلى التصريحات التي يقدمها رئيس الحكومة، وكذلك عرض مشروع قانون المالية السنوي.

فالتعقيد الذي رافق تجربة برلمان بغرفتين منذ دستور 1996 يجد أهم تجلياته في العلاقة بين الحكومة والغرفتين من جهة والعلاقة بين الغرفتين من جهة ثانية، وذلك سواء على مستوى التشريع أو المراقبة، لذا لابد من إعادة صياغة بعض المقتضيات الدستورية سعيا إلى توضيح علاقة المؤسسات التمثيلية بالمؤسسات التنفيذية. هي العلاقة التي عرفت تدقيقا أكثر في مشروع الدستور الحالي، من خلال جعل مجلس النواب سيد نفسه في مجال التشريع، كما أن العلاقة بين الجهازين من الصعب أن تشهد توترات كما كانت في الماضي، مادام أن الحكومة ستتشكل انطلاقا من نتائج الاقتراع.

تحدث الخطاب الملكي عن رئيس الحكومة بدل الوزير الأول؟ ما دلالات ذلك من الناحية القانونية و السياسية؟

بالفعل هو انتقال من وزير أول ينسق النشاط الحكومي إلى رئيس الحكومة، ففي ظل الدستور الحالي تعمل الحكومة على تنفيذ القوانين تحت مسؤولية الوزير الأول، والإدارة موضوعة رهن تصرفها، ويتحمل الوزير الأول مسؤولية تنسيق الأنشطة الوزارية، كما أن دستور 1996 تضمن مجموعة فصول حددت اختصاصات الوزير الأول، منها على سبيل المثال الفصل 63 الذي نص على أن الوزير الأول يمارس السلطة التنظيمية وأن المقررات التنظيمية الصادرة عنه تحمل التوقيع بالعطف من لدن الوزراء المكلفين بتنفيذها. والمأمول في مقتضيات الدستور المقبل أن نكون أمام مؤسسة للوزير الأول تمنح للمؤسسة ممارسة السلطة التنفيذية الفعلية في إطار البرنامج الحكومي ومسؤوليته الفعلية على الحكومة والإدارة العمومية والمؤسسات العمومية. وهذا ما نص عليه مشروع الوثيقة الدستورية، حيث نص الفصل 89، على أن “تمارس الحكومة السلطة التفيذية، وتعمل الحكومة، تحت سلطة رئيسها على تنفيذ البرنامج الحكومي، وعلى ضمان تنفيذ القوانين، والإدارة موضوعة تحت تصرفها، كما تمارس الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية”.

وما تقييمكم لما جاءت به الوثيقة الدستورية الجديدة فيما يخص مغرب الجهوية الموسعة؟

لقد أولى المغرب منذ سنوات عدة أهمية خاصة لفكرة الجهوية وذلك في إطار إرادته الرامية إلى تحديث الإدارة الترابية وترسيخ اللامركزية، وإذا كان اهتمامه في البداية قد انصرف إلى التأكيد على أهمية الجماعات المحلية والأخذ بجهوية متدرجة، فإنه في الآونة الأخيرة أصبح يركز على ضرورة الانتقال إلى جهوية متقدمة أو موسعة تخضع لمنطق الملاءمة والتوازن السيوسيواقتصادي وتفعيل أسلوب اللاتمركز الإداري بجعل الجهات حكومات محلية تتحمل مسؤوليتها في التنمية.

لقد حدد التوجه الملكي أهدافا ثلاثة للجهوية الموسعة: ترسيخ الحكامة المحلية، تعزيز سياسة القرب، تفعيل التنمية، أما عن مرتكزاتها فتتمثل في الوحدة، التضامن، التوازن واللاتمركز الواسع دون أن ننسى التأكيد على الخصوصية المغربية في التوجه الجهوي المقبل.

إن الجهود منصبة على تأسيس نظام قانوني وسط بين الدولة الموحدة والدولة الاتحادية، نظام يتعدى نطاق اللامركزية الإدارية ولا يرقى إلى مستوى الدولة الاتحادية، إن الأمر يتعلق بجماعة ديمقراطية يتم تسييرها من قبل أجهزة سياسية منتخبة بطريقة مباشرة.

وفي هذا الإطار لابد من إصدار قانون تنظيمي ينظم الجهات ويوضح اختصاصاتها وعلاقاتها بالدولة وباقي الوحدات الترابية من خلال هذا القانون التنصيص على سبيل الحصر على الصلاحيات المحصورة للدولة والصلاحيات المنقولة والصلاحيات الذاتية للجهات (الفصل 140 من مشروع الدستور).

هو ما أشار إليه المشرع الدستوري بالفعل في مشروع الدستور الحالي، من خلال الفصل 146، بالتنصيص على أن تحديد الاختصاصات بأشكالها الذاتية، والمشتركة بينها وبين الدولة والاختصاصات المنقولة يتم تحديدها بقانون تنظيمي

Leave A Reply

Your email address will not be published.