اليوم الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 - 2:00 صباحًا
أخر تحديث : الثلاثاء 1 يوليو 2014 - 2:30 مساءً

الأمازيغ والوهابية، معطيات من التاريخ…

الأمازيغ والوهابية، معطيات من التاريخ…
بتاريخ 1 يوليو, 2014

1371600425

بقلم أحمد عصيد

يعتقد كثير من الناس أن صراع الأمازيغ ضدّ «الوهابية» والتطرف الديني مسألة طارئة في السياق المغربي الراهن، وأنها ترتبط بالوعي الأمازيغي العصري الذي حملت مشعله الحركة الأمازيغية الجمعوية، في مواجهة الهجمة الشرسة التي تعرض لها المغرب من التطرف الديني الوافد علينا من الشرق منذ مطلع الثمانينات، والذي ليست له جذور في الثقافة المغربية العريقة. والحقيقة أن الأمازيغ كان لهم تصادم مع هذا النمط القاسي من التدين البدوي السعودي منذ بداية ظهوره خلال القرن الثامن عشر.

من المعلوم أن أول ما بدأت أخبار «الوهابية» تصل إلى المغرب، كان ذلك في فترة امتداد هذه الظاهرة وانتشارها في جزيرة العرب عبر القوة العسكرية والقتل والتشريد، الأسلوب الذي اختاره أتباع محمد بن عبد الوهاب (فقيه حنبلي متشدّد) من أجل نشر مذهبهم الديني السياسي، في تواطؤ بين الداعية الديني المذكور، والزعيم القبلي «محمد بن سعود».

كانت الفكرة تكمن في ضرورة التحالف بين الزعيم الروحي «الداعية» الذي يمدّ الحركة بالفكر والدعوة، والزعيم الدنيوي «محمد بن سعود» الذي يمدّها بالمال والعتاد والرجال المحاربين، وقد تمّ إسقاط فترة الدعوة النبوية الأولى على مرحلة القرن الثامن عشر بكاملها، حيث اعتبرت الحروب التي شنتها «الوهابية» على سكان الجزيرة وما جاورها حربا مقدسة أشبه بالفتوحات الأولى ضدّ «الكفار» و»المشركين.

ويمكن القول إن النصوص التاريخية تفيدنا بأن السلطان المغربي آنذاك الذي هو مولاي سليمان اعتنق فعلا الوهابية مما ألقى بظلال من التوتر على علاقته بالجوار القبلي الأقرب إليه وهو قبائل الأطلس المتوسط المحيطة بفاس ومكناس، وبسبب تفشي هذه العقيدة العنيفة بين حاشيته والمقربين إليه، فقد اعتبر المحيط المخزني آنذاك القبائل المذكورة من «المجوس المارقين»، وأعلن الجهاد ضدّها بالطريقة الوهابية المتداولة آنذاك في جزيرة العرب.

انتهت الحرب بين الطرفين بانهزام السلطان وحاشيته التي عادت منكسرة إلى فاس، وتركت السلطان أسيرا بين يدي الأمازيغ، الذين عاملوه معاملة حسنة وأكرموه، وشرعوا في تعريفه بتقاليدهم وعاداتهم وقوانينهم وطريقتهم في تدبير شؤون الجماعة وحلّ مشاكلها، والهدف هو دفع الملك إلى المقارنة بين تقاليد القبائل وتقاليد المخزن وحاشيته، لكي يدرك أسباب عدم التفاهم بين الطرفين.

عاد السلطان إلى عاصمته وقضى زمنا في التأمل والتفكير والتدبر، لينتهي اختياره إلى اعتزال الحكم، تاركا رسالة هامة إلى أهل فاس مما ورد فيها «يا أهل فاس إن شئتم أمان أنفسكم فعليكم بحلف البربر فإن لديهم قوانين تحمي من الظلم.

وهي رسالة تقدم درسا عظيما للمغاربة في السياق الراهن، وللمتطرفين الدينيين على وجه الخصوص، لكنها رسالة ضاعت بين تلافيف الزمن، وأخفتها يد الرقيب التي لا تريد إظهار السلاطين والملوك إلا في صورة غير صورتهم الحقيقية.

لقد انهزمت «الوهابية» في حملتها الأولى على المغرب بفضل ثقافة الشعب المغربي وتقاليده العريقة ذات التدين الوسطي والإنساني، وسوف ينهزم التطرف الديني مرة أخرى أمام نفس الثقافة لنفس الشعب، والذي ما زال يحتفظ، رغم التنميط الرسمي والأدلجة الشرقانية والترويض الإيديولوجي، بقيم الصمود والمقاومة والتحرير.

  

أوسمة :