الموظفون يُنعّمون والكادحون يتعذبون كيف؟ ولماذا؟ وما هو المآل النفسي للظاهرة؟

0

إذا كان من الإنسانية ومن العدالة الإلهية ومن المنطق الحقوقي الفطري، أن يكسب الكادح أكثر من الموظف، ولو قليلا، فبأي منطق حقوقي وبأي عدالة تسمح دولة الحق والقانون(بواسطة جماعة الموظفين المتحكمين بها) أن يكسب الموظف أحسن من الكادح ـ بمرتين إلى عشرات المرات ـ ؟ لدرجة أصبح الوضع بمرور الزمن واقعا مسلما به، بالرغم من الحالة المأساوية/السيكولوجية التعذيبية التي تفتك بحياة الكادح من المهد إلى اللحد ! فهل هو عشق لدوامة الصدمة الوجودية التي تؤطرها علاقة المتسلط بالمقهور؟.

يزداد إبن أو إبنة الكادح في فضاء مقهور(غرفة مع الجيران، أو براكة قصديرية، أو بيت متواضع يسكنه على سبيل الوراثة)..وكلها فضاءات تفتقد لكل معايير تدعيم معنويات الشخصية الإنسانية..ومن هنا يدخل في دوامة العذاب النفسي، من خلال الشعور بالحرمان والدونية والتحقير والإهانة..إلخ، وهكذا تفتك الصدمة الوجودية بكيانه، ما دام الآخر(المتسلط/الموظف) يرفل في النعيم، من خلال مظاهر النعيم الباعثة على المشاعر المعذِّبة والمغذِّية للصدمة بلا هوادة ! ..

هذه هي علاقة المقهور بالمتسلط بوجه عام..لكن عندما نحدد ـ في جريدة العرائش ـ الموظف على وجه الخصوص، فلأن الكادح، كسيكولوجية،لا يتأثر بالصدمة الكبرى/المفارقة التي تأتيه من الغني والوزير والبرلماني ورئيس الدولة..فهم في تقديره النفسي خارج الصدمة الوجودية التي يعانيها، باعتبار أن الصدمة الآتية من هذه الشريحة لا تخترق هدوءه النفسي، مادامت بمنأى عن الإحتكاك المباشر به كسبب motive مُولِّد للصدمة/ دوامة العذاب النفسي! ومن هنا تنهشه حرقة التساؤل حول نعيم الموظف في مقابل جحيمه هو، باعتباره يأخذ من ماله/أجره ليصدمه به ! فنفسية الكادح لا تتوقف عن طرح هذا السؤال الحارق: لماذا يعيش الموظف أحسن مني ما دمنا كلانا نشتغل، وتحكمنا قوانين واحدة: الشغل مقابل الأجر؟ ” ولا يطرح هذا التساؤل تجاه الفئات المفارقة لمستوى عيشه، لأنه كما قلنا، لا يصطدم بمظاهرها الشبه مُدارية عن نفسيته، بقدر ما يصطدم بمظاهر الموظف التي تلازمه في حله وارتحاله..فالكادح دائم التمعن في الفرق الصادم الذي بينه والموظف: “هو أحسن مني هنداما وسكنا وأكلا وتربية وتعليما ووضعا اجتماعيا، كما أبناؤه أحسن من أبنائي هنداما وسكنا وأكلا وتربية وتعليما ووضعا اجتماعيا، كما أن زوجته أحسن من زوجتي هنداما وسكنا وأكلا وتربية وتعليما ووضعا اجتماعيا..والآفاق كلها مفتّحة في طريقه، بينما أنا أمامي أفق واحد هو الأفق المظلم، لا حاضر ولا مستقبل !! “.

هذا مستوى أولي في المواجهة النفسية،وهو مستوى يفترض أن الموظف لا يؤذي الكادح بقدر ما تؤذيه مظاهر نعيمه فقط ! فماذا عندما نطل على الآثار السلوكية الناتجة عن هذا “الإستعلاء الإجتماعي” ؟ أي كيف هي أحوال/ علاقة الموظف بالكادح في الإدارة؟ كيف هي علاقة أسرة التعليم بأبناء الكادحين وبأولياء أمورهم في المدرسة؟ كيف هي علاقة البوليس بالكادح، كيف هي علاقة القضاء بالكادح؟ كيف هو تعامل الموظف لكادح يطلب خدمة بكل المرافق العمومية والخاصة؟ كيف هي علاقة موظف بجماعة من العمال الكادحين(رئيس قسم مصلحة الأشغال بالعمّال/الكادحين التابعين لمصلحته مثلا)؟…وهذا هو سبب تركيز جريدة العرائش على صدمة الكادح بالموظف في إطار علاقة المتسلط بالمقهور..

وهو جهد علمي إضافي، يستمد قوته الإنفرادية من تجربة الكاتب/الكادح(ممثل جريدة العرائش) وهي تجربة يستحيل أن تتوفر عند الباحث النفسي/الموظف، الذي لم يحتك بواقع التجربة، وإنما أطلّ عليها من خلال العلم النظري فقط ! لذلك، وللمرة الثانية في انشغالي المعرفي بهذا الوضع أحيل على كتاب” سيكولوجية الإنسان المقهور” للدكتور مصطفى حجازي، الذي قرأته من بين ما قرأت من كتب في هذا المجال..لكن ما أطرحه، بإسم جريدة العرائش، فهو اجتهاد إضافي على ما طرحه ويطرحه كل الباحثين(أبناء الموظفين) الذين لم يذوقوا مدى انسحاق الكادح تحت وطأة الموظف، لذلك سيساعد هذا التركيز المستقبل كثيرا، وبالسرعة المطلوبة، للقضاء على هذه الصدمة الوجودية(المجانية)..من أجل التقاء الموظف مع الكادح على خط معيشي سواء، لكي تنتفي الكثير من مأساة المجتمع ككل!

أحمد نوعمان

Leave A Reply

Your email address will not be published.