اليوم الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 - 11:29 صباحًا
أخر تحديث : الجمعة 3 أغسطس 2018 - 1:50 صباحًا

المقاومة رسالة وليست مرحلة زمنية: المقرر العام للمجلس الوطني للمقاومة نموذجا

مرّت علينا قبل أيام الذكرى 97 لملحمة كبرى ما تزال منحوتة في الذاكرة الجماعية للمغاربة بدروسها وعبرها، إنها واحدة من المعارك الخالدة التي سارت بها الركبان وبلغ صيتها أرجاء العالم، وهي محطة حاسمة في تاريخ الكفاح ضد الأجنبي، محطة ظلت إلى جانب مثيلاتها في التاريخ المغربي تمد هذا الشعب وشعوب من منظومات حضارية أخرى بالمثل والدروس والعبر.

إنها ذكرى أنوال واستحضار لرسالة التحرير الوطني التي انبعثت في عشرينيات القرن الماضي بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي بالريف، والتي انْبنت بدورها على ثورات أحمد الهيبة والشريف امزيان، والأطلس المتوسط، وغيرها في أرجاء الوطن، وهي أحداث شكلت أساس انطلاق الحركة السلفية والوطنية، وكذا انطلاق المقاومة وجيش التحرير فيما بعد.

وعلى ذكر الريف فالحاجة ماسة للتذكير بتطلع المكونات الحية وسائر فئات الشعب، والذي تم التعبير عنه بمختلف أشكال وصور الانتماء الجامع، طيا للصفحة المؤلمة في الحسيمة.

المقاومة لدى جيل الرواد الأوائل رسالة مستمرة تروم الكرامة الوطنية والعدالة المجالية و الاجتماعية وليست فترة زمنية مرحلية تنتهي بإجلاء المستعمر، لأنها كانت تروم هدم المنظومة الاستعمارية، وتعمل في ذات الوقت على بناء منظومة وطنية بديلة ومستدامة، مجسرة نحو التجديد بإصلاح الدولة والنهوض بالمجتمع.

لقد كانت المقاومة برسالتها الوطنية خيارا بارزا في مسار حسْم النخب السياسية تذبذبَها في مرحلة عصيبة برفضها أي إرجاء أوتسوية مع المستعمر عبر المرور بمرحلة انتقالية، ففرضت تثبيت الشرعية بالعودة الفورية للمرحوم محمد الخامس، وإنهاء الحماية وإعلان الاستقلال.

وضمن هذا النسق اندرجت تضحيات كبار المقاومين وعلى رأسهم الزرقطوني والفطواكي وعلال بنعبد الله والحنصالي وبنحمو والمساعدي والخطيب والعراقي وبنعثمان وحسن الاعرج وعبد السلام الجبلي والفقيه البصري وبنسعيد أيت ايدر، وغيرهم ممن لا يسعف المجال لذكرهم من الشهداء والأحياء.

إن مخزون المغاربة في مناهضة الاستعباد والاستعمار مستمر، وقابليتهم للتضحية ماضية في الزمان، وغير بعيد في الزمن أيضا ما بذله ويبذله أبناء هذا الوطن وبناته، وخاصة الذين نافحوا وسالت دماؤهم على رمال الوطن من أجل الوحدة الترابية، وللأسف لم يغادر كثير منهم عتبة الحد الأدنى للمعاش، ومنهم من اضطر للعمل بعد وهنه من أجل لقمة العيش.

إن الوفاء لتضحياتهم صونا للثغور، يسائلنا أيضا عن جزاء الوطن لهم، أفلا بادرنا لإنصاف الشرفاء قبل رحيلهم أيضا.

وهذا الوفاء كذلك مسؤولية لتنشئة أجيال تتصدى لكل محاولات النيل من كرامة الأمة، وصيانة القيم، وترسيخ مخزون المغاربة في الممانعة التاريخية، وتحويل رفضهم للاستعمار والاستعباد، إلى ثابت حضاري يسري روحا بين أجيالهم وفئاتهم.

ومناسبة الحديث هنا، هي مصادقة مجلس النواب يوم 24 يوليوز 2018، على قانون يتعلق بالرفع من قيمة التعويض الممنوح لبعض قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ولذوي حقوقهم، هذا التعويض لا يكاد يكون إلا مساهمة رمزية جدا، لأن الحرية والمقاومة من أجلها لا ثمن لهما، وإقراره ليس تدبيرا اجتماعيا وانسانيا لمؤازرة ذوي الدخل المحدود من المنتمين لهذه الأسرة وحسب، ولكنه تثمين رمزي لقيم الوفاء.

إن مثل هذه التشريعات تثمن مناهضة الاستعباد والاستعمار، وتكافئ قيم الكرامة والحرية كنسغ لحياة هذه الأمة واستمراريتها عبر أجيالها المتعاقبة لتبدع بدورها وتنحت ملاحمها مستقبلا، فالتاريخ لا يدفن، بل يظل متقدا في الوجدان الجمعي، وهو مخزون الأمة وميراثها اللامادي.

وللتأكيد على أن المقاومة رسالة بذل مستمر وليست مرحلة زمنية، أسوق فقرة من المقرر العام للمجلس الوطني للمقاومة المغربية في غشت 1956 المحدد لأهداف “نظام ملكي دستوري، تطهير الإدارة، تتميم وحدة التراب، جلاء الأجنبي، اصلاح النظام القضائي، تجهيز اقتصادي سريع، تدشين سياسة التقشف، تأميم جميع المؤسسات التي تكتسي صبغة حيوية، تشجيع المؤسسات الصغيرة، تصنيع الفلاحة، الاستثمار في الفلاحة على أساس تعاوني عصري، تنظيم ألاراضي الجماعية والمخزنية في شكل تعاوني..”، ومن أجل تحقيق هذه الأهداف اشترط المجلس الوطني “تأسيس حكومة وطنية منسجمة ومتضامنة ومسؤولة عن أعمالها، وأن يكون لها برنامج محكم يتخذ صورة تصميم، ويستطيع أن يعبئ الحماس الشعبي ويستغل جميع القوات الحية للنهوض بها إلى مصاف الأمم الراقية”.

ما أشبه اليوم بالأمس ..لذلك فرسالة المقاومة مستمرة والحرية لا ثمن لها.

منى أفتاتي

أوسمة :