الحسيمة … ويستمر البلوكاج

0

ملفات عالقة واحتلال الملك العمومي وركود ينذر بسكتة قلبية

فقدت الحسيمة الكثير من بريقها، وصارت الحياة فيهامملة، ولم يجد الكثير من أبنائها، من تفسير لمدينة لم تعد عقارب تنميتها تتحرك. ولم يعد الزخم التاريخي
الذي نقشته المدينة في محطات عديدة من تاريخ المغرب، يساوي شيئا أمام حالات الإفلاس والركود الاقتصادي والتجاري الذي تعيشه المنطقة.

شارعا وادي المخازن والمنصور الذهبي الذي يطلق عليه سكان المدينة شارع “الإسكافيين”، الوحيدان اللذان تجد فيهما النساء متعة المشي والتبضع، فحال المدينة اليوم جعل الكثير من أبنائها أو ممن تربوا في حضنها يأسفون عن واقعها، ومنهم من هجرها دون رجعة نحو بعض المدن الشمالية، فيما رحل شبابها نحو أوربا بنسب لم يسبق لها مثيل.

تقصير المجالس المنتخبة

تقع الحسيمة على الجهة الشمالية لسلسلة جبال الريف، وتخضع لنظام وحدة المدينة، إذ أصبحت تدبر من قبل مجلس الجماعة الذي يضم 35 مستشارا. ويتشكل المجلس الحالي من أربعة أحزاب، حزب واحد يمثل الأغلبية وهو حزب الأصالة والمعاصرة وثلاثة تمثل المعارضة، وهي العهد الديمقراطي والعدالة والتنمية والنهضة والفضيلة.
وعاشت الحسيمة منذ عقود تهميشا واضحا وتقصيرا من قبل المجالس المنتخبة على تسيير الشأن المحلي وأبنائها وسياسييها، وصراعات هامشية وقبلية طغت عليها المصلحة الذاتية، وتسابق من أجل احتلال مواقع رائدة داخل المجلس البلدي، في الوقت الذي ظل فيه سكان المدينة ينتظرون أن يكون التنافس حول تنمية المنطقة.

تراجع فرص الاستثمار
أكد العديد من المهتمين أن حركة الاستثمار بالمدينة تراجعت بصفة كبيرة، وأن من معالم هذا التراجع تعثر المنطقة الصناعية بآيت قمرة، وتراجع قطاع الصيد البحري المهدد بالشلل التام والإفلاس، وموسمية الخدمات المرتبطة بقطاع السياحة، وانخفاض تحويلات العمال المغاربة بالخارج، وارتفاع تكلفة نقل السلع والمواد المختلفة إلى الحسيمة.

ولم تبادر أي من الجهات إلى وضع مخطط مدروس ومحدد الزمان لجلب المستثمرين. ويطالب المواطنون بإقرار أثمنة تشجيعية لاقتناء الأراضي بالمنطقة الصناعية، وإنقاذ ميناء الحسيمة وتشجيع الخط البحري الحسيمة ـ موتريل جنوب إسبانيا، وكذا تبسيط مساطر الاستثمار بالتدخل من قبل الجهات المسؤولة عن مختلف القطاعات.
ولم يساعد المجلس الحالي في جلب الاستثمار إلى المدينة لغياب سياسة واضحة، ما أثر على التشغيل بالمدينة وتسبب في ارتفاع معدل البطالة، وجعل العديد من شباب المنطقة يهاجرون إلى مدن أخرى كطنجة والبيضاء للبحث عن فرص شغل.
وتظل جاذبية المنطقة للاستثمارات ضعيفة، لأنها تقتصر على العقار والخدمات، خاصة التجارة والمقاهي، وزادت الخلافات بين مكونات المجلس من إضعاف قدرة الاستقطاب.

أزمة اقتصادية خانقة
تعيش الحسيمة أزمة اقتصادية خانقة، إذ باتت تعاني ركودا تجاريا شبه دائم، باستثناء الفترة الصيفية التي تعرف فيها المدينة انتعاشا طفيفا، بفعل قدوم أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.

وتراكمت على المدينة العديد من الأسباب جعلتها تدخل عالم الاحتضار الاقتصادي أمام غياب بدائل حقيقية وأوراش اقتصادية من قبل المسؤولين، لتعويض الانتعاشة التجارية التي كانت تشهدها المدينة في السابق.
ويشكو أرباب المحلات التجارية وبائعو الخضر والمواد الغذائية والملابس الجاهزة انعدام الإقبال عليها وبوار سلعهم المعروضة للبيع. ولم تعد محلات بيع المأكولات الجاهزة تستقطب إليها الزبناء كما في السابق.

واعتبر مواطنون الحالة المادية للعديد من الأسر باتت تشكل إكراها كبيرا يحول دون اهتمامها بما تعرضه هذه المحلات من سلع، إضافة إلى غلائها، خاصة السمك والخضر والفواكه. وحتى الأسواق الممتازة الموجودة بالمدينة باتت تعاني عدم توافد المواطنين عليها، ما يهدد بعضها بالإغلاق والبحث عن وجهات أخرى.

مساكن عشوائية
تفرخت بالحسيمة العديد من التجمعات السكانية خارج إطار الضوابط المعمارية. وتتميز هذه التوسعات العشوائية ببنية غير قانونية بسبب عمليات التملك والتقسيم، وتفتقر إلى بنيات طرقية تنعدم فيها شروط الصحة والسلامة والمرور، ولا تتوفر على ترصيف، وتشكو ضعف أو انعدام التجهيزات الضرورية للحياة العامة.
ويطغى على هذا النوع من البناء غير المنظم، تموقعه فوق أماكن غالبا ما تكون غير صالحة للبناء، بسبب عدم استقرار التربة بها، أو بسبب بعدها عن التجهيزات الأساسية، أو نتيجة صعوبة الولوج إليها.

وتحولت عدة أحياء بالحسيمة منذ سنوات خلت إلى مرتع للبناء العشوائي، ما جعل الحزام الحضري يعرف تشوها ساهم فيه مسؤولون سابقون من درجات مختلفة، ورفعت من وتيرته الحملات الانتخابية.
ويبرر العديد من المواطنين بالمدينة لجوءهم إلى تشييد مساكن عشوائية بحاجتهم الماسة للسكن، محملين المسؤولية للجهات المعنية لأنها لا تبسط إجراءات الحصول على الرخصة، ما يضطرهم بدل ذلك إلى سلك أساليب مختلفة لتفادي تدخل أعوان السلطة لمنعهم من البناء.

إكراهات القطاع السياحي
تتوفر الحسيمة على مؤهلات سياحية هامة يمكن أن تمثل مصدر دخل هام لمجلس المدينة، وأن توفر مناصب شغل كبيرة للسكان، لكنها لاتحظى بالأولوية في أجندة المجلس البلدي. ولايجد السائح المغربي أوالأجنبي بالحسيمة غير شواطئها، التي يكون جزء منها محتلا من قبل بعض المطاعم السياحية. وتغيب البرامج السياحية التي تراعي خصوصيات المنطقة عن دورات المجلس البلدي.

وتزخر الحسيمة بالعديد من الفنادق المصنفة والشواطئ الخلابة والمعالم الحضارية والفضاءات التاريخية، التي يمكن أن تشكل رافعة للتنمية السياحية بالمنطقة، لكن تحتاج إلى خطة وبرنامج عمل من أجل الترويج لها وجعلها ضمن المزارات والوجهات السياحية التي يتم الترويج لها لدى منظمي الأسفار، كما أن غلاء الأسعار بالفنادق المصنفة والشقق المفروشة وكذا التغذية ببعض المطاعم والمواد الغذائية بما فيها الخضر والفواكه والأسماك، من العوامل التي ساهمت في تراجع القطاع السياحي بالمنطقة، إذ بات العديد من المواطنين المغاربة يفضلون وجهات أخرى كمارتيل والفنيدق لقضاء عطلهم السنوية عن الحسيمة، التي تلتهب فيها الأسعار دون أن يتحرك المجلس لوضع حد لهذه المعضلة.

احتلال الملك العام
تفشت مظاهر احتلال الملك العمومي بالحسيمة، وصارت القاعدة السائدة في أغلب الشوارع والفضاءات المفتوحة في وجه المواطنين، أن يجبر السكان على التطبيع مع التسيب الحاصل في استغلال الملك العمومي دون موجب قانوني، فيما يبدو أن السلطات المحلية اختارت بدورها التخلي عن واجبها وممارسة حياد سلبي تجاه هذه الظاهرة، رغم بعض المبادرات التي تقوم بها في فترات متفرقة.

وحولت الفوضى العارمة التي تجتاح الشوارع والمساحات العمومية بالمدينة كثيرا منها إلى أسواق مفتوحة لعرض مختلف السلع والبضائع، مع ما يصاحب ذلك من مصادمات لا تنتهي بين الباعة أنفسهم أو بينهم ومستعملي الطرق أو زبنائهم، فيما على السكان المجاورين أن يتحملوا على مضض حركة صخب وضوضاء يومية تتخللها شجارات وكلام ناب وروائح مخلفات الباعة من السمك والأزبال.

ويتحكم الباعة المتجولون بمزاجية مفرطة في المساحات التي يستغلونها لعرض سلعهم على الأرصفة وعلى طول الشوارع المحيطة بها.

ملفات عالقة
أكدت مصادر من داخل المجلس الجماعي لبلدية الحسيمة، أن المكتب المسير للجماعة يتعثر أحيانا في تفعيل القرارات التي يتخذها المجلس، مسجلة غياب اجتماعات اللجن إلا في حال اقتراب دورات المجلس لتناول نقطها، إلى جانب عدم التنفيذ الفوري لهيكلة البلدية لتعيين رؤساء الأقسام وباقي مكوناته.

كما سجلت المصادر التماطل غير المفهوم في تحصيل مستحقات البلدية المتعلقة بالصفقات العمومية للأملاك التابعة لها، وكذا في استرجاع الباقي استخلاصه بشكل عام.
ونبهت المصادر إلى ما اعتبرته تقصيرا غير مفهوم في عدم التدخل لتنظيم المركب التجاري “ميرادور” الذي تحول إلى سوق عشوائي.

واستغربت المصادر نفسها عدم الشروع في عملية تسيير المركب السوسيو رياضي وفق مجموعة من مقررات المجلس وتركه لاستغلالات ضيقة، مسجلة انعدام رؤية واضحة تستهدف مصلحة الجميع في ما يخص تهيئة شواطئ المدينة خاصة شاطئ “كيمادو”، إضافة إلى عدم تفعيل البلدية للقانون في ما يخص تجاوزات بعض المصالح الخارجية، وعدم متابعتها لجل المشاريع المقامة بالمدينة.

حصيلة ضعيفة للمجلس
اعتبر مستشارو حزب العهد الديمقراطي، المصطفون في المعارضة، حصيلة المجلس الجماعي لبلدية الحسيمة ضعيفة، مؤكدين في لقاء مع ” الصباح ” أن عمل المجلس على جميع المستويات لا يرقى إلى تطلعات السكان، وهذا ليس من باب المزايدة حسبهم، بل إن واقع المدينة هو ما يؤكد ذلك، والدليل على ذلك أن المشاريع التي تمت برمجتها ضمن برنامج عمل الجماعة بين 2016 و2021 لم ينفذ منها سوى القليل وبشكل محتشم، وبلغة الأرقام يمكن القول إن نسبة تنفيذ مخطط التنمية الجماعية لم تصل إلى 10 في المائة، يضيف المستشارون، ناهيك عن الجمود القائم على مستوى الهيكلة الإدارية لبلدية الحسيمة، ما يترتب عنه غياب وانعدام التنسيق بين مختلف الأقسام والمصالح والمكاتب على حد قولهم.

وبخصوص معضلة البطالة التي تنخر المدينة، أكد المستشارون أن ثمة عوائق تحول دون تحقيق وإنجاز مشاريع لاحتواء هذه المعضلة، منها على الخصوص السياسات المنتهجة في البلاد، إلى جانب غياب روح المقاولة عن نهج تدبير الشأن العام المحلي.
وأكد مستشارو الحزب ضرورة تغيير المقاربة تجاه الجماعات من وحدات إدارية إلى جماعات اقتصادية تنافسية. ويطالب المستشارون بإحداث فضاءات جماعية لتحتضن المقاولات الناشئة، وإعادة النظر في نموذج الاستثمار السياحي بالمنطقة.

وبخصوص إعادة بناء سوق ” ميرادور ” أكد المستشارون أن هذا المشروع كان فاشلا، بسبب تغييب المقاربة التشاركية للتجار ولكل من له علاقة به، وتقزيم مساحات المحلات للرفع من عددها على أساس فتح المجال أمام أكبر عدد من المستفيدين، ناهيك عن عدم ملاءمة معمارية المركب التجاري للهوية والثقافة المحليتين وغياب دراسة فعلية للمشروع من جوانبه المتعددة.

إنجاز : جمال الفكيكي (الحسيمة)

Leave A Reply

Your email address will not be published.