لمرابطي يكتب: الأستاذ أحمد بوقراب في سيرته الذاتية من الحسيمة إلى فاس

0

يعود هذه المرة من جديد الأستاذ أحمد بوقراب المفتوحي في عمله الذي صدر له مؤخرا في جزءين، والذي يمكن إدراجه بناء على محتوياته في خانة السيرة الذاتية أو مذكراته الشخصية التي سلط فيها الأضواء على مراحل هامة وذات تفاصيل شاملة ودقيقة من حياة الكاتب، إذ يتعلق الأمر بإصداره الجديد المعنون ب ” رحلات البحث عن جذور الضباب، من الحسيمة كانت البداية في الجزء الأول، وفي فاس كان الانبهار الذي يهم الجزء الثاني من المؤلف “، وهي الشهادات / الذاكرة / أوالحلقات التي تمت بصلة مباشرة إلى ما يسمى عند المختصين بأدبيات العدالة الانتقالية بتاريخ الزمن الراهن، بل إنه العمل الشيق والجاد الذي سهر على تقديمه كل من الأستاذين المقتدرين جمال أمزيان وجميل حمداوي، وتعد مبادرة الأستاذ المفتوحي الوحيدة على مستوى منطقة الحسيمة التي كانت لها كامل الجرأة للحديث عن أهم مراحل حياته في مذكرات شخصية تقوم مقام السيرة الذاتية، دون أن يشكل له ذلك أي حرج في محيطه الاجتماعي والعائلي بالأساس، نظرا لطبيعة المواضيع التي تطرق إليها، فقد هيمن على معظمها طابع الحميمية والخصوصيات التي تميز حياة الشباب من الطلبة، بيد أن الأهم والأكثر قيمة كون الأستاذ السارد لم يكن مرتبطا بأية إيديولوجية معينة تلزمه التقيد بأسسها ومبادئها المرجعية، مما جعل مذكراته في بعض جوانبها تقترب من سيرة الأديب المصري الكبير طه حسين في ثلاثيته الشهيرة ” الأيام ” التي أعدها سنة 1929 ، لاسيما في الجانب المرتبط في رحيلهما المبكر من قريتهما الأصلية ونزوحهما نحو الحاضرة قصد التعلم في المدينة، لييمما بعدها تنقلهما شطر بعض من العواصم العربية والأوروبية، لأهداف تكاد تقترب وتختلف في المنحى ومآلاتها الشخصية الكبرى .

1 – سيرة بوقراب الذاتية بين شرعية الذاكرة الوطنية وراهنية التاريخ المعاصر :

إن صاحب المذكرات الأستاذ بوقراب المفتوحي ليستلهم عن عمق وجدارة شعار المفكر والأديب جون جاك روسو ذو المولد السويسري والفرنسي الأصل الذي يقول فيه ” أنا أفعل شيئا لم يفعله شخص قبلي، ولن يقدر شخص بعدي على تقليده ” فقد كان القرن الذي صرح فيه هذا المفكر الفيلسوف بمقولته هذه، هو النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي الذي تزامن مع الوثبة الكبرى لعصر العقلانية وانتصار فلسفة الأنوار في أهم معاقلها التاريخية،وهو ما دفع روسو إلى الشروع في تسجيل سيرته الذاتية على نحو مستفيض ورصين سماه ب ” الاعترافات “، وقياسا مع هذا الإنجاز الثقافي والتربوي الكبير يكون الأستاذ بوقراب بدوره قد تمكن من تكسير جدار الصمت في منطقة مغربية ران على تراثها المحلي إرث ثقيل من أساليب التقليدانية المتوارثة، وعرف عنها شدة التمسك بأصول من المنابع الاجتماعية المحافظة جريا على عادة المغاربة في بعض الجهات الأخرى، خاصة بالمقارنة مع أبناء جيله من المتعلمين والمثقفين الذين لم يكن لديهم ما يكفي من الشجاعة والإقدام للكتابة عن حيواتهم في مختلف مراحلها نظير ما صنعه رفيق دربهم الذي نجح في تجاوز هذه العوائق النفسية، وحاول عن جهد وبقدر الإمكان أن يتحلى بروح الموضوعية وهو يدلي برأيه ويتأهب لخوض غمار حديثه في بعض الملفات المفصلية ذات الصلة بتاريخ مدينته أو ببعض المدن المغربية الأخرى من قبيل نموذج مدينة فاس التي استكمل فيها مشواره الأكاديمي والتربوي الناجح وتخرج من جامعتها العريقة بكلية الآداب الواقعة بظهر المهراز بفاس خلال البدايات الأولى من عقد السبعينيان من القرن المنصرم، سواء تعلق الأمر بالمجالات الاجتماعية، التربوية والثقافية، أو بأعباء الشأن العام وما يتولد عنها من السياسات العمومية التي قد تكون عرضة لبعض المؤاخذات والانتقادات بالنسبة للنخبة الوطنية المثقفة والقادة المغاربة السياسيين، وكذلك حتى بالنسبة للرعيل المتفتح من أبناء جيله من الشباب المغربي المسكونين بهاجس نشدان تحقيق التقدم، وحب بناء الوطن في ظل الديمقراطية والحرية وعلى أساس الوصول نحو استكمال النهضة المجتمعية المغربية الشاملة القائمة على مبادئ الكرامة والعدالة الاجتماعية الحقة .

كما أن ما يحكيه الأفراد انطلاقا من تجربتهم الخاصة، وأيضا الجماعية، ليتحول ببساطة من الذاكرة الخفية المسيجة في بعض الأحيان بقيود سميكة مفعمة بمراقبة الذات، التي تعضدها الانفعالات المتشنجة المترنحة تحت تأثير سلطة المخيال الجمعي، يمكنه أن يتحول إلى ذاكرة علنية تستطرد في مروياتها الحكائية على شكل شهادة تاريخية، وهنا يكمن مربط الفرس ونحن نسجل البون الممكن تلمسه بين الكتابة التاريخية، وبين الشهادة والذاكرة المتماهيتين اتصالا مع الأحداث المباشرة والقريبة جدا من الزمن المعاصر، لذلك فعمل الأستاذ بوقراب في سيرته الذاتية هذه إنما يجد عمق دعمه في الذاكرة أكثر من التاريخ، إنها الذاكرة التي يمكن مجرد الاستئناس بها فقط كأحد المصادر في قراءة ومعرفة تاريخ الزمن الراهن، وهي القضايا الفكرية والثقافية التي لم يناقشها فحسب الأستاذين عبد الأحد السبتي وأحمد بوقراب المفتوحي، بل يطالعنا تأثيرها المشع وحضورها القوي حتى في بعض الإصدارات الجديدة مثل نموذج ” المغرب والزمن الراهن ” المنشور من قبل المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، وفي مؤلفي ” بين الذاكرة والتاريخ ” للأستاذ لطفي عيسى، وفي ” التاريخ الراهن، وراهنية التاريخ ” للأستاذ محمد حبيدة، هذه المفاهيم الأخيرة تنسحب مكوناتها في الوقت ذاته على فلسفة العدالة الانتقالية وعلى ما يصطلح عليه ب ” ديبلوماسية حقوق الإنسان ” .

إن السيرة الذاتية أو المذكرات الشخصية للأستاذ أحمد البشير البقيوي كما يطلق على نفسه تعكس عصاميته وتفانيه في الاعتماد على نفسه منذ نعومة أظفاره في صباه وخلال مرحلة شبابه، مما أهله لتحمل شظف العيش وتكبد مرارة الحياة وقساوة ظروفها قصد الارتقاء إلى تحقيق أمنيته الغالية في الدراسة، وهو التلميذ الفقير المعوز القادم من أحد القرى المغربية الفقيرة ” تفنسة ” الواقعة في عمق مجاهل قبيلة بقيوة الحاملة لتاريخ مغربي عريق، الأمر الذي جعل حياته بالحتم تعزف على أوتار نمط غير مستقر تخلله مسار حافل من الاضطرابات والوضعيات الفجائية المتقلبة، ولذلك ليس من الغرابة بمكان أن يكون من بين المآخذ التي سجلت على سيرته الذاتية من قبل بعض الباحثين كونها تفتقر إلى ما يسمى بالوحدة الموضوعية، وإن كنت شخصيا لا أتفق معهم في هذه الملاحظة النقدية .

فقد تكون روحه القلقة المتبرمة والمتوترة تجد نفسها أكثر في الكتابة الشذرية المنقسمة إلى أجزاء، والتي تضمن له في نفس الوقت أن يكون متناقضا، حتى يكتب الشيئ ونقيضه في الوقت ذاته، وحتى الله سبحانه لم ينزل القرآن الكريم دفعة واحدة وفي موضوع واحد، وكلم رسله في الديانات السماوية من اليهودية والمسيحية والإسلام بطريقة شذرية تهيمن عليها الأسباب والظروف الخاصة بكل نازلة أو واقعة اجتماعية، بل حتى معلقات شعراء الجاهلية فقد تأسست بدورها في بنائها الهيكلي على تعدد الأغراض لا على وحدة الموضوع، فكانت قصائد العصر الجاهلي من أجود وأعذب ما جادت به قرائح شعرائهم، وفاضت به إلهاماتهم ومداركهم في عالم الإبداع الأدبي، وبالتالي فإن البساطة التي يؤاخذ عليها المؤلف أيضا في سيرته الذاتية حول طريقة تناوله للأشياء، تضاهي ذلك المركب الموغل في تجريده النظري وتفوقه أحيانا، لكونها تفصح عن الحقيقة وعمق المشاعر الصادقة، خلافا للمركب الذي كثيرا ما يعتوره التزييف والمداهنة، أو الاستعلاء عن حقيقة الواقع المعاش، والذي قد يتعب صانعه بدون أن تجنى منه أية فائدة تستحق التنويه .

2 – مذكرات الأستاذ بوقراب في تداعياتها التلقائية ما بين مدينتي الحسيمة وفاس … :

لذلك أقبل الأستاذ المؤلف صاحب المذكرات على تخصيص أهم محتويات سيرته في الحديث عن سياقات وتاريخ التربية والتعليم بالمدينة، ولعل هذا ما ينسجم مع طبيعة مهامه التربوية والتعليمية التي اضطلع بتحمل أعبائها انطلاقا من التدريس بالقسم كأستاذ للتعليم الثانوي بمدينة وجدة، إلى رجل إدارة لاحقا بثانوية الإمام مالك بالحسيمة، ودون أن يعني هذا تغاضيه أو استنكافه عن بقية الملفات والموضوعات التي كانت لها تأثيراتها الخاصة على حياة المواطنات والمواطنين بالمنطقة، وفي هذا الإطار نلفي الكاتب يولي كبير الاهتمام لمؤسستي التعليم الثانوي الوحيدتين آنذاك بالإقليم، إذ يتعلق الأمر بمسار المعهد الديني والإسلامي الأصيل بالحسيمة الذي تحول راهنا إلى ثانوية الإمام مالك، وثانوية أبي يعقوب الباديسي، الحصنان أو المنارتان العلميتان المشعتان اللتان كان لهما الفضل في إعداد الكثير من الأطر المغربية الهامة من النساء والرجال في مختلف التخصصات والمجالات، إنهما المؤسستان اللتان شرعتا في استقبال التلاميذ مباشرة بعد حصول المغرب على استقلاله في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، وحتى قبل هذا التاريخ سنة 1938 بالنسبة لتلاميذ التعليم الأصيل الذين التحقوا مباشرة بالمعهد الديني بعد استكمال دراستهم الابتدائية بالمسجد العتيق الذي يقع في قلب شارع طارق بن زياد، وبالنسبة لثانوية أبي يعقوب الباديسي فقد كان رافدها الأساس الذي يمكنها من التلاميذ المتقاطرين عليها يتمثل في مدرسة الباترونانتو patronanto de ensenansa الواقعة قرب قاعة السينيما الكبير في وسط المدينة .

بيد أن الأجمل في سيرة بوقراب الذاتية هو توثيقه لبعض الأعلام والشخصيات التربوية البارزة التي لعبت دورا مهما وأساسيا في تعليم وتنشئة الأجيال سواء كأساتذة، أو المشرفون منهم على الإدارة التربوية، فمن من جيلنا مثلا يمكنه أن ينسى أسماء من قبيل الأستاذ أحمد التمسماني الذي تخرج من الجامعة المصرية في المشرق وتخصص في التاريخ والجغرافيا وعلوم الشرع والعربية، وهو أول مدير لثانوية أبي يعقوب الباديسي بعد الأستاذ عبد الكبير الإدريسي خريج جامعة إسبانيا المنحدر من مدينة تطوان، والذي ساعده في مهامه الإدارية ليون ليفي الإسباني الذي يدين بالعقيدة اليهودية، إذ كان بمثابة ناظر للدروس في الهيكلة القانونية الجديدة، وكذلك الأستاذ العلامة والفقيه الجهبيذ الخطابي بوشعيب خريج جامعة القرويين بفاس أول مدير لثانوية التعليم الأصيل بالحسيمة، ومساعده في النظارة هو صاحب هذه المذكرات الأستاذ أحمد المفتوحي، وكذلك الأستاذ لبحر حمو أستاذ اللغة الإسبانية الذي كان يتولى عملية انتقاء التلاميذ في الأقسام العليا من المدرسة الابتدائية للقيام بمهام التدريس نظرا للخصاص الكبير الذي كانت تعيشه المدرسة المغربية على مستوى الأطر بالمنطقة، وهو الذي أصبح منذ الستينيات مديرنا النموذجي بمدرسة محمد الخامس بالحسيمة .

وكذلك الأستاذ وهبي عيسى الإطار بالنيابة الإقليمية بالحسيمة، والأستاذين حسن دادي والفقيه بولحية الذي انتقل إلى المعهد الأصيل بالحسيمة على إثر إغلاق مركز المعهد الديني بسيدي يويعقوب بتمسمان بعد أن وضعت الدولة حدا للأحداث التي عرفتها المنطقة خلال سنتي 1958 و1959، وكذلك الأستاذ احميدو أبرو مدرس اللغة العربية والعلوم الشرعية خريج جامعة القرويين بالمغرب سنة 1957، أول مدير لثانوية محمد بن عبد الكريم الخطابي بمدينة الناظور، والذي أصبح رئيسا للمجلس العلمي المحلي بالحسيمة وعضو المجلس العلمي الأعلى، ثم الأستاذ امحمد بودرا الملقب والمعروف لدى الساكنة ب”دن” أستاذ اللغة الإسبانية ومدير مدرسة بتارجيست خلال عقد الستينيات وأول مدير لإعدادية سيدي عابد في الثمانينيات بالحسيمة، وغيرهم كثير من الأساتذة الأجلاء المغاربة، وأيضا من الأجانب والشرقيين الذين وصموا مسيرة التربية والتكوين بالمدينة بمداد من السؤدد والعزة والمجد، وليس أدل عن ذلك من تدعيم هذه المسيرة المشرقة بأسماء من الأستاذات والمربيات المتألقات في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من قبيل كل من الطرهوشي ارحيمو، وأبركان عالية، وصالحية حمو، زينب، حبيبة، أمينة أشهبار..، ولم يكن أي وجود للأستاذات والتلميذات بالمعهد الديني، وحتى بالنسبة لثانوية أبي يعقوب الباديسي فقد كان عدد التلميذات بها من البنات ضعيف جدا.

وإلى حدود منتصف الستينيات بناء على مذكرات الأستاذ بوقراب، كان الحد الأقصى للتعليم بالحسيمة لا يتجاوز سقفه في النظام القديم ما يسمى ب “البروفي” في الثانويتين المذكورتين، بحيث يضطر التلاميذ الناجحون في آخر السلك الإعدادي إلى الانتقال نحو مدينة تطوان بالنسبة للعلميين أو مدرسة البوليتيكنيك بنفس المدينة، وإلى العرائش بالنسبة للتلاميذ المختصين في الآداب والعلوم الإنسانية، وبعد زيارة المغفور له العاهل المغربي الملك محمد الخامس للمنطقة استجاب لملتمسات الساكنة بشأن تحويل الباديسي من إعدادية فقط إلى ثانوية مكتملة، ويذكر الأستاذ المفتوحي الكثير من هذه الأسماء التي أصبحت أطرا ناجحة ومحترمة، وبعضها احتل رتبا سامية داخل أجهزة الدولة المغربية ، وذلك في كل من التعليم والعدل والأمن والقوات المسلحة الملكية.. ومن هذه النماذج عمر الصابري، أحمد المفتوحي، سليمان عبد الرزاق شراط، حسن من أزغار، الورياغلي، محمادي المعكشاوي، محمد البنوضي، محمد الإنسان هذا الأخير الذي تميز بقلمه الجرئ، وكان ينشر مقالاته في جريدة الرأي العام لسان حال حزب الشورى والاستقلال الذي كان يعتبر من مناضليه المخلصين، وسبق لنا أن تبنينا ملفه في فرع الجمعبية المغربية لحقوق الإنسان بالحسيمة سنة 2000 الذي كان يرأسه آنذاك الأستاذ علي بلمزيان، وقبل وفاة محمد الإنسان، نظرا لمعاناته الصحية التي كانت سببا في عزله من قطاع التربية خلال عقد الستينيات، وفي هذا الصدد ينوه الأستاذ بوقراب أيضا بالجيل الأول من المسرحيين بالحسيمة، حيث تهم التجربة كلا من طلبة المعهد الديني وثانوية الباديسي مشكلين بذلك ما سمي آنذاك من طرفهم ب ” فرقة الانبعاث المسرحي” التي خصصت مداخل عروضها لفائدة ضحايا زلزال مأساة أكادير، وكانت الفرقة تتكون من الطاهري، شيبولا، محمد البنوضي، الصابري، المعكشاوي، الأزناكي ..

وقبل أن يعرج الأستاذ بوقراب في مذكراته على ذكر مدينة فاس ويمتعنا بنبذة موجزة عن تاريخ هذه المدينة العريقة لما كانت عاصمة للدولة المغربية وإيالتها الشريفة خلال حكم الأدارسة والمرابطين والعلويين، لتتحول العاصمة إلى مدينة الرباط في فترة الحماية، فقد كانت له وقفة خاصة مع أساتذة ومثقفين من تطوان وضمنهم يتواجد من كان ينحدر من منطقة الحسيمة، مثل البوعياشي وأحمد المرابط والزفزافي وعبد الكبير الإدريسي وعزيمان الذي كان نائبا للتعليم بتطوان تماما مثل مسار أحمد التمسماني بوخالد بالحسيمة الذي تحول من نائب إقليمي للتعليم بعد مدة وجيزة من تعيينه إلى مدير لثانوية أبي يعقوب الباديسي، وفي فاس يحط الراوي قلاع رحلته الأخيرة في مناكب سيرته الفيحاء، وهو يمتشق عنان صهوة قلمه ليحدثنا في أرشيف قل نظيره عن بروفيلات هامة لشخصيات يسارية مناضلة في نقابة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بجامعة فاس تنحدر من الحسيمة، مثل الوجه اليساري اللامع الأستاذ أحمد أمغار الذي بفضله استطاع المؤلف أحمد بوقراب أن يعرف عن كثب تاريخ الاتحاد الوطني في مؤتمراته ومساره النضالي الحافل، وقد طلب من أمغار بكل تواضع أن يشرح له مضامين الاختيار الثوري للشهيد المهدي بنبركة في أحد غرف إقامتهم بالحي الجامعي من ظهر المهراز بفاس، دون أن يغض طرفه عن طبيعة الاختلافات الإيديولوجية التي كانت قائمة بين المناضلين الذين كانوا ينتمون إلى صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبين الطلبة الجبهويين

ويمضي الأستاذ في بوحه العفوي والتلقائي، مصرحا أنه في إحدى المرات وقد طوقت قوات الأمن الحرم الجامعي بفاس، فقد تسلل الأستاذ بوقراب من غرفته هاربا متسلقا الأسوار حافيا دون أن ينتعل حذاءه وقد شجت قدماه وأدميتا تحت تأثير الجروح الخفيفة، وكيف أن زملاءه الطلبة اتهموه باندراجه في تنظيم الاتحاد العام لطلبة المغرب، ليجيبهم ببساطته المعهودة، لست مع هذا ولا ذاك ولا حتى مع أي جناح من أجنحة الحركة الطلابية المغربية المتنافسة في ساحة النضال الشريف، وأن همه الأوحد والوحيد هو كيفية الحصول على الدرهم ليضمن لنفسه العيش في فاس والاستمرار في متابعة دراسته، وإن كان حسب تصريحه في دفاتر مروياته من مذكراته يبدي نوعا من التعاطف الخاص مع منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وبسبب هذه الصراحة النادرة كان محل تقدير كبير من قبل الأستاذ أحمد أمغار، هذا الأخير من موقعه كطالب جبهوي كانت له منازلات سياسية وفكرية محتدمة مع نده وقرينه في ساحة النضال الطلابي بفاس الأستاذ المناضل عبد الهادي خيرات مدير يومية جريدة الاتحاد الاشتراكي في أيام الزمن الجميل أثناء أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات من القرن العشرين، لما كان الهدف من النضال هو مصلحة البلاد والوطن والمصلحة العامة للمجتمع قبل أي شيئ آخر، ومن ثمة التأسيس للقيم المثلى الطاهرة .

وفي لحظة معينة تتداعى الذاكرة بأستاذنا أحمد المفتوحي لتستحضر وتسترجع في أطياف جميلة مسلسلا من التاريخ السياسي للحسيمة خص به مذكراته وسيرته الذاتية، وذلك إبان حديثه عن تجربة تأسيس فرع حزب الاتحاد الاشتراكي بالحسيمة سنة 1977 ، وعن الحياة النضالية النزيهة والمحفوفة بالتحديات النضالية والضرائب الباهضة الثمن التي كانت تؤدى حينها بالطبع من حرية هؤلاء المناضلين ومن الاستقرار الهادئ الذي كانت تعيشه أسرهم، لذلك لم يتردد السارد في الكشف عن أول مكتب سياسي ضم جمهرة من خيرة وشرفاء المناضلين بالمدينة يتقدمهم الطبيب العلمي ككاتب أول، ومحمد شعيب سيعمر نائبا أولا له، والأساتذة، طحطاح، المبروكي حدو، الفائزي .. وغيرهم كثير ممن كان يحفل بهم هذا الحزب المناضل في الفترات الأولى من انبثاقه وانطلاق إشعاعه النضالي بالحسيمة، مثل المحاميين الهلالي إسماعيل، وعلي فهمي أول رئيس لفرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالحسيمة سنة 1990 ، متوقفا من جهة أخرى عند العلاقة والصداقة الاستثائية والعميقة التي ربطته مع عميد وقطب الاتحاديين بالحسيمة الأستاذ محمد شعيب سيعمر .

إن طبيعة هذه المذكرات تميط الحجاب، عن مسار حافل في الحياة، وتضع في الإطار صورة شخصية مغربية من الريف كان له تعلق كبير بالتعليم والدراسة نظرا للطموحات والآمال الكبيرة التي كانت تعقدها الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة من أجل التموقع والارتقاء الاجتماعي، وقد تمكن الأستاذ بوقراب أن ينجح في الولوج إلى التعليم الثانوي ويصبح أستاذا وهو مطمح عزيز المنال ويجعل صاحبه آنذاك يحظى بتقدير مجمتعي كبير ويشار إليه بالبنان في المحافل والأفراح وفي مختلف المناسبات الاجتماعية والدينية، لذلك بعد أن ناقش بحثه في الإجازة سنة 1972 في موضوع ” الوجدان في القصة المغربية القصيرة ” وتخرجه من كلية الآداب بفاس، فقد عين أستاذا للغة العربية في ثانوية عبد المومن بوجدة رفقة فوج بأكمله يتكون من ثلاثين أستاذا تمت تسميتهم بمناصبهم عن آخرهم في هذه المدينة المغربية، لأسباب تتعلق بالفرنسة لكون المتمدرسين بهذه المنطقة كانت لهم صعوبات هائلة مع لغة الضاد، إضافة إلى سيادة التوجهات التقليدية المحافظة من المدرسين الذي لم تكن لهم علاقة كافية بالنظريات التربوية الجديدة والأساليب الديداكتيكية المتطورة، فكانت المراهنة على فوجهم ليقوموا بمهمة التحديث والتمسك بالهوية والمقومات الوطنية المغربية، خاصة وأن السلطة الحكومية المكلفة بقطاع التربية الوطنية آنذاك كانت تمزج بين التكوين الأكاديمي في الجامعة، وفي نفس الوقت تخضع الطلبة والطالبات للاستفادة من المناهج التربوية وطرق التدريس بالمدارس العليا للأساتذة، ويحكي بالمناسبة الأستاذ بوقراب كيفية اعتقال زميله في الدراسة الجامعية المناضل مصطفى أشهبار الأستاذ في السلك الثانوي بوجدة بسبب نشاطه السابق في الحركة اليسارية التقدمية المغربية .

على سبيل الختم :

ونحن نختم هذا التقديم والقراءة لسيرة الأستاذ أحمد الذاتية، نسجل أن مذكراته تسير على درب وخطى العديد من التجارب المغربية المماثلة في تدوين هذا الجنس من السيرة الذاتية والمذكرات الشخصية منذ بداية الألفية الثالثة وحتى قبلها، سواء أكانت هذه المذكرات ذات مسحة سياسية أو أدبية أو تاريخية، ولعل أهم ما يميزها هو الصدق الكامل والتلقائية في سجيتها الطبيعية البعيدة عن التمحل أو محاولة اختلاق الأحداث واصطناع الوقائع، وهي تستعرض حياة كاتبنا منذ خروجه من قريته الصغيرة إلى الحسيمة، وانتقاله من أجل الدراسة نحو العرائش وبعدها إلى الجزائر لدراسة الصحافة، ثم إلى القاهرة لأهداف ذات صلة بالبحث العلمي، لينهي مساره بعد ثلاثين سنة بالتخرج من الجامعة المغربية بفاس، وهو الإصرار والعزم الأكيد الذي حمله على توضيح العديد من المواضيع الملتبسة من نموذج عبد الكريم اللوه وعلاقته بالماسونية، وقوفا عند العلاقات الإنسانية التي ربطته ببعض الرموز الوطنية المناضلة، والقامات التاريخية المقاومة للاستعمار من قبيل امحمد الخطابي، وعبد الكريم اللوه، وأحمد المرابط، وعبد الهادي خيرات، وأحمد أمغار، والقسيس المسيحي الإسباني بتارجيست، يسعفه في كل ذلك جرأته غير المعتادة في حديثه عن علاقاته العاطفية والأسرية في أيام شبابه، وكلك اضطراره وهو طالب إلى الاشتغال في التجارة متنقلا ما بين فاس وسبتة وبعض العواصم الأوروبية، مستميتا ومناضلا بعصاميته التي جبل عليها، من أجل ضمان حقه في التعلم واستكمال دراسته الجامعية .

محمد لمرابطي : حقوقي وباحث

Leave A Reply

Your email address will not be published.