حوار:أريري يكشف على الأرقام المفجعة التي صاحبت احتجاج الحسيمة إهدار 240 مليار سنتيم

0

قال إن احتجاج الحسيمة كلف خزينة الدولة 240 مليارا لإخماد المظاهرات
قال عبد الرحيم أريري، مدير جريدة الوطن الأسبوعية، وموقع أنفاس بريس، إن فشل الوزراء في تدبير القطاعات التي أوكلت لهم، يعتبر “خيانة للوطن”، مبرزا أن المساءلة وحدها لا تكفي لردع “الفاشلين” عن التقدم إلى المناصب الحكومية والسامية، مطالبا بأن يشمل مفهوم الخيانة هذا الفشل في التدبير.

وفي الوقت الذي رصدت حوالي 6 ملايير درهم لمشروع الحسيمة منارة المتوسط، أكد أريري أن كلفة إخماد المظاهرات التي اندلعت بسبب تأخر الحكومة في تنفيذ المشروع، كلفت أزيد من ملياري درهم.

بداية، كيف تقيم سياسة إعفاء الوزراء والمسؤولين، هل تعتبرها حلا مناسبا؟
في الأنظمة الديمقراطية ذات التقاليد الراسخة في دولة القانون والمؤسسات، لا يطرح مشكل إعفاء الوزير أو مجموعة وزراء، فالنظم السياسية بهاته البلدان المتمدنة محصنة وناضجة، فضلا عن سلامة اشتغال الحقل الرقابي هناك في شموليته. والدليل على ذلك ما عرفته النمسا مؤخرا أو بريطانيا أو فرنسا وهولندا إلخ…من تعديلات حكومية.

لكن في بلد معاق ديمقراطيا وغير محظوظ في التوفر على نخب سياسية مواطنة وناضجة، مثل المغرب، فإن تقييم إعفاء الوزير أو الوزراء يبقى بدون بريق وغير مؤسس لممارسة فضلى في السياسة، وفي تدبير الشأن العام، لأن بقاء الوزير أو ذهابه لا يغير في جوهر السياسة العمومية شيئا، بالنظر إلى أن الإعفاء لا تكون له أي قيمة مضافة في القطاع الذي استهدفه التعديل.

وحتى لا نستعرض تاريخ التعديلات الوزارية في مغرب الاستقلال لأن المقام لا يسمح هنا، فسنستشهد بالتعديلات الأخيرة التي تمت في ظل دستور 2011، في عهد حكومة بنكيران أو حكومة العثماني. ففي عهد بنكيران مثلا ما الذي أضافته عملية تعديل إخراج “كوبل” الشوباني وسمية بنخلدون من الحكومة؟ أو إخراج وزيري فضيحتي “الكراطة” و”الشوكلاطة” من دائرة القرار؟ هل من جيء بهم لتعويض هؤلاء الوزراء أحدثوا طفرة (حتى لا أقول ثورة) في تدبير المرفق بشكل انعكس إيجابا على المواطن؟
السؤال نفسه ينطبق على حكومة العثماني، ألم يتم إجراء تعديل سابق عقب فضيحة مشاريع الحسيمة وإبعاد أربعة وزراء دفعة واحدة في أواخر 2017؟ أتظن أن من أتى بعد بنعبد الله وحصاد والوردي وبن الشيخ قد “طفروه”؟ لا أحتاج للبرهنة على ذلك، بدليل أن القطاعات التي تغلي اليوم هي التعليم والصحة والسكن والتكوين المهني، رغم ما يرصد لها من موارد مالية جد باهظة.

ألا يجدر بالنيابة العامة فتح تحقيق ومتابعة الوزراء الذين فشلوا في مهامهم أو أشارت إليهم تقارير المجلس الأعلى للحسابات مثلا؟
سبق لي أن طالبت ليس بمساءلة أو محاكمة الوزير أو أي مسؤول عمومي سام فشل في تدبير قطاعه، بل طالبت بمتابعته بتهمة “الخيانة”.

فالخائن في اعتقادي ليس هو من يبيع أسرار الدفاع أو من يتخابر مع دولة أجنبية ضد المغرب فحسب، بل يتعين “تمطيط” مفهوم الخيانة ليشمل إخفاق الوزراء في مهامهم، حتى لا يتقدم للمنصب الحكومي أو السامي، إلا “سيدي ومولاي” أو “للالة ومولاتي”، الذي (التي) يتوفر على خصال رجل دولة من جهة وقادر على تعبئة الطاقات والموارد (المالية والمعنوية)، لتعبئة المجتمع، للقضاء على التخلف والبؤس والانكماش الاقتصادي ببلادنا من جهة ثانية، ويكون المرشح للمنصب الحكومي مهووسا بهاجس واحد ووحيد، كيف ندخل المغرب إلى نادي الدول الصاعدة في ظرف 10 أو 15 سنة كأبعد تقدير.

وحين طالبت بتعميم الخيانة على كل وزير فاشل وساقط فليس من باب الترف الإعلامي، أو المزايدة أو لأنه “سخن علي راسي”، بل إني أتحسر على الأرقام المفجعة التي صاحبت احتجاج الحسيمة.

فهذا الاحتجاج لوحده كلفنا إهدار 2.4 مليار درهم (أي 240 مليار سنتيم) لإخماد المظاهرات التي دامت أزيد من ثمانية أشهر (محروقات، ساعات إضافية لقوات الأمن، تغذيتهم، صيانة السيارات، خسائر مادية لحقت مرافق عمومية، كراء، إلخ…). والمثير للمفارقة أن احتجاج سكان الحسيمة مرده تقاعس حكومة بنكيران والعثماني في إخراج مشاريع منارة المتوسط، التي يبلغ غلافها الإجمالي 6.5 ملايير درهم (650 مليار سنتيم). أي أننا لم نتخلف في تجميد مشاريع عمومية فقط، بل أخرجنا ميزانية في “الخوا الخاوي” لإسكات المحتجين تمثل ثلث ما كان مرصودا لتحقيق منارة المتوسط.

هذه فقط الكلفة المالية، ولم أستعرض الكلفة الحقوقية والسياسية بسبب الإنهاك الذي تعرضت له صورة المغرب خارجيا، بسبب لا مسؤولية الوزراء والمديرين والمسيرين.

ألا يستحق هؤلاء ملاحقتهم بتهمة الخيانة: خيانة الشعب وخيانة الوطن وخيانة القسم المؤدى أمام الله وأمام الملك؟
برأيك كم تصل الكلفة المالية لإعفاء وزير من مهامه الحكومية؟
الكلفة تتخذ وجهين، الأول آني يتجلى في “شي بركة ثقيلة” عبر صرف تعويض 10 أشهر من أجرة الوزير له “مكافأة” له عن “نهاية الخدمة”. وإذا عرفنا أن الوزير يحصل على حوالي 70 ألف درهم شهريا آنذاك، نعي حجم “التقرقيبة” التي يحصل عليها كل واحد لما يغادر .

أما الوجه الثاني فيتمثل في استمرار الشعب المغربي تحمل أداء معاش الوزير المقال أو المنتهية ولايته إلى ما لا نهاية، ولو تولى الشخص الوزارة لمدة شهر أو شهرين. وهذا أكبر إجرام أخلاقي يرتكب في حق المغرب والمغاربة. فالمنصب الحكومي مهمة سياسية وتطوعية وليس “بزولة” نرضع بها الوزراء.

وبحت حناجر المغاربة للمطالبة بإلغاء هذه الإهانة للشعب المغربي، لكن للأسف ليست هناك اليوم قوة مجتمعية مضادة قادرة على فرض هذا المطلب، لتشتت أصوات الشرفاء المغاربة، وعدم انتظامهم في هيأة مدنية قوية وحية.

هل تعتقد أن التعديلات الحكومية والإعفاءات ريع سياسي تستغله الأحزاب لاستوزار أبرز وجوهها؟
طبعا هي ريع، بل ورشوة سياسية لإسكات وترويض النخب، وخلق جيل من المهرولين لتقلد المناصب الحكومية والبرلمانية، ليس لتنفيذ مشروع مجتمعي أو الدفاع عن فكرة نبيلة، بقدر ما يصبح الهم الأساسي هو الارتخاء في أرائك السلطة، وما تجلبه من منافع وامتيازات ظاهرة وخفية.

من المسؤول عن منح تعويضات نهاية الخدمة للوزراء عوض محاسبتهم عن ضعف التدبير، وهل يتطلب الأمر صياغة قوانين جديدة تقطع مع ريع التعويضات والتقاعد؟
وهل في مستطاع النعجة أن تضع مصلحتها بيد ذئب؟ اعتذر عن التشبيه، ولكن هذا واقع الحال بالمغرب. فالذي يشرع ويضع القوانين والمراسيم والنصوص ليس هو المواطن العادي، بل هي الحكومة والبرلمان حسب منطوق الدستور.

وللأسف هناك تواطؤ بين المؤسستين الحكومية والتشريعية، لنهش المغرب والمغاربة وافتراس أحلامنا وإجهاض تطلعاتنا. ولهذا لست متفائلا بإمكانية أن تبادر الحكومة والبرلمان (بالسلالة الموجودة حاليا) بان يعلنا “فطامهما عن بزولة الريع والغنيمة”، فالذئب يبقى ذئبا وشرط وجود الذئاب هو الافتراس.

أجرى الحوار: عصام الناصيري
في سطور
مدير نشر أسبوعية “الوطن الآن” وموقع “أنفاس بريس”

Leave A Reply

Your email address will not be published.