نحو اختيار سياسة جديدة للمصلحة العامة لما بعد كورونا

0

إن جائحة كورونا كوفيد-19 لا تشكل أزمة صحية فحسب ،بل إنها أزمة شاملة ومدنية كذلك ولقد تطلب منا مكافحة المرض نوعا من التضامن الذي ليس من السهل على معظم المجتمعات الوصول إليه باستثناء أوقات الحرب وإن التحدي الذي نواجهه اليوم يقتضي الكشف عن مصادر التضامن في زمن يتسم بانقسام عميق للمجتمعات الديمقراطية، و من النظرة الأولى يبدو أن الجائحة تعزز التضامن لأنها تسلط الضوء على اعتمادنا المتبادل وضعفنا العام .

وقد رفع السياسيون والمشاهير والشخصيات العمومية شعار ” نحن كلنا نركب سفينة واحدة” خلال هذه المحنة، لكن هذا الشعار الأخوي وإن كان يعد حافزا ، لكنه يبدو أجوفا ، لأنه يذكرنا بمدى انقسامنا حقا لقد ظهرت الجائحة في زمن يتميز بعدم المساواة و الضغينة الحزبية، وإن العقود الأخيرة فتحت هفوة كبيرة بين الرابحين والخاسرين بحيث أن أربعين سنة من العولمة النيوليبرالية أغدقت على الطبقات العليا امتيازات سخية في حين بقيت الأغلبية الساحقة من العمال تتلقى أجورا ثابتة، مع العلم أنها لا تحظى بأي تقدير اجتماعي لائق بها، فظلت الفجوة تتسع بين الأغنياء والبقية ، وهذا لم يكن السبب الوحيد للاستقطاب كما أن من خلال صب الملح على الجرح ، أصبح مفهوم الجدارة للنجاح يبرر عدم المساواة .

و بقدر ما يراكم الرابحون مكاسبهم التي توفرها لهم الاستعانة بمصادر خارجية واتفاقيات التجارة الحرة والتكنولوجيا الجديدة وتحرير الأموال ،توصلوا إلى الاعتقاد بأن نجاحهم مستحق ، وأنهم قد نحتوه لأنفسهم ، وأن أولئك الذين قاتلوا من أجل تلبية احتياجاتهم لا يمكنهم إلقاء اللوم على أحد سوى على أنفسهم .هذه النظرة للنجاح تجعل من الصعوبة بمكان أن نثق أننا جميعا “نبحر على نفس الباخرة ” حيث تجعل الفائزين يعتبرون أنفسهم مهندسين لنجاحهم والذين بقوا في أسفل السلم الاجتماعي يشعرون أن النخب تطل عليهم من فوق الهرم . هذا الوضع يساعدنا على فهم كيف كنا شاهدين على رد فعل غاضب واستياء شديد ضد تيار العولمة النيوليبرالية .

إن الجائحة تذكرنا يوميا بمساهمة بعض العمال الذين يتقاضون أجرا متواضعا لكن بالمقابل ينجزون أعمالا أساسية وأحيانا حتى بالمغامرة بصحتهم . إنني لا أفكر في الأطباء والممرضات الذين يحصلون على تصفيق مستحق ، ولكن أيضا الموظفين وصرافي سوبيرماركيت ورجال التوصيل وسائقي الشاحنات وعمال البناء والبائعين ورجال الشرطة ورجال المطافئ وغيرهم كثيرون.

إن الاعتراف بقيمة مساهمة العمال الذين يتواجدون خارج دائرة الامتيازات التي يتمتع بها أصحاب مهن النخبة ومنحهم صوتا مهما ذا معنى في الاقتصاد والمجتمع يمكن أن يشكل الخطوة الأولى للتجديد المعنوي والأخلاقي والمدني عندما سنبدأ من الخروج من الأزمة .

لقد كشف الوباء إلى أي حد أدت أربعة عقود من التفاوتات المتزايدة إلى تدهور الروابط الاجتماعية في واقعنا، لكن ربما من خلال تسليط الضوء على اعتمادنا المتبادل سيقودنا هذا الوضع إلى تغيير مواقفنا و اختيار سياسة جديدة لفائدة المصلحة العامة .

Michael J.SANDEL استاذ جامعي أمريكي يدرس فلسفة السياسة في جامعة هارفارد الشهيرة وحاصل على جائزة أميرة أستورياس الإسبانية .المقال نشر بجريدة الباييس الاسبانية بتاريخ 4 ماي 2020.

بقلم ميكاييل ج. ساندل
ترجمة عبد اللطيف امحمد خطابي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.